حين تتحول القوة إلى معيار للحق…

الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز –

تصريحات نتنياهو الأخيرة هي تعبير صريح عن فلسفة سياسية خطيرة تُعيد العالم إلى منطق الغاب: حيث تُختزل القيم في القوة، ويُختصر العدل في القدرة على الفرض، ويُقاس الحق بميزان السلاح لا بميزان الأخلاق.
حين يقول نتنياهو إن “الأخلاق وحدها لا تكفي، والعدل لا يكفي، وأن التاريخ لا يمنح الأفضلية للمسيح على جنكيز خان”، فهو لا يقدّم قراءة للتاريخ بقدر ما يقدّم تبريراً سياسياً لسلوك قائم على العنف والتفوق القسري. هذه الفكرة في جوهرها ليست جديدة، بل هي امتداد لفلسفة “البقاء للأقوى” التي سقطت أخلاقياً وإن بقيت حاضرة في سلوك بعض القوى.
لكن من منظور إسلامي، هذه المقولة تصطدم مباشرة مع جوهر العقيدة.
الإسلام لا ينكر وجود القوة، بل ينظمها ويهذبها، ويجعلها في خدمة الحق لا بديلاً عنه. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
في الفلسفة الإسلامية، العدل ليس خياراً أخلاقياً يمكن تجاوزه عند الضرورة، بل هو أصل من أصول الحكم وشرط من شروط الشرعية. حتى في حال الحرب، وضع الإسلام قواعد صارمة تمنع التوحش، فنهى عن قتل المدنيين، وقطع الشجر، والتمثيل بالجثث. هذه ليست مثالية حالمة، بل منظومة قانونية سبقت القانون الدولي الإنساني بقرون.
أما مقارنة السيد المسيح عليه السلام بـ جنكيز خان، فهي مقارنة تكشف خللاً عميقاً في ميزان القيم. فالإسلام يوقر عيس عليه السلام باعتباره رمزاً للرحمة والهداية، لا معياراً للغلبة العسكرية. بينما يمثل جنكيز خان نموذجاً للقوة المجردة من الضوابط الأخلاقية. وفي المنظور الإسلامي، لا يُقاس الإنسان بما يملكه من قدرة على البطش، بل بما يحمله من قيم.
النبي محمد ﷺ قال: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وقال أيضاً: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”.
هذه النصوص تؤسس لفلسفة معاكسة تماماً لما طرحه نتنياهو: القوة الحقيقية ليست في القدرة على القهر، بل في القدرة على ضبطها.
والتاريخ نفسه، الذي استند إليه نتنياهو عبر ، لا يدعم منطقه على المدى البعيد. نعم، قد تنتصر القوة مؤقتاً، لكن الدول التي قامت على الظلم لم تصمد. يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (الكهف: 59).
وهنا جوهر القضية: الإسلام لا ينكر أن الشر قد يحقق مكاسب مرحلية، لكنه يؤكد أن النهايات دائماً للعدل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).
لكن المفارقة التاريخية التي يغفلها هذا الطرح أن القوة ذاتها التي اجتاحت العالم، لم تنتصر على القيم في النهاية.
فبعد الغزو المغولي بقيادة جنكيز خان الذي دمّر أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، لم تستطع تلك القوة أن تُخضع الروح الحضارية للإسلام، بل حدث العكس:
تأثر المغول بالإسلام، ودخلوا فيه تدريجياً، حتى أصبحت دولهم لاحقاً جزءاً من العالم الإسلامي.
إن أخطر ما في تصريحات نتنياهو ليس مضمونها فقط، بل توقيتها أيضاً؛ فهي تأتي في سياق صراع محتدم، وكأنها تمنح غطاءً فكرياً لتبرير استخدام القوة بلا قيود. وهذا يعكس تحوّلاً من “السياسة الواقعية” إلى “السياسة المتوحشة”، حيث تُلغى القيم بالكامل.
لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ، وأكدها الإسلام، أن القوة بلا أخلاق مشروع مؤقت، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت. فالحضارات لا تُقاس بما تدمّره، بل بما تبنيه… ولا تُخلّد بالقوة، بل بالقيم.
وفي النهاية، فإن الصراع الحقيقي ليس بين دول فحسب، بل بين فلسفتين: فلسفة ترى الإنسان مجرد أداة في معادلة القوة، وأخرى – وهي فلسفة الإسلام – ترى أن القوة يجب أن تبقى خادمة للإنسان، لا سيدة عليه.

عن Alaa

شاهد أيضاً

فن الاختيار

‎صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب –   هرِم المغني فاسمعوه فبرغم ذلك تُسعدوه ‎ …