الأول نيوز – د.مارسيل جوينات
في كل عام يأتي عيد الأم، يحمل معه الفرح في قلوب كثيرين، لكنه يأتي أيضاً محمل بالحنين في قلوب أولئك الذين فقدوا أمهاتهم. وبين الزهور والرسائل والهدايا، يقف البعض صامتين أمام ذكرى لا تغيب، لأن الأم وإن غابت عن العيون، تبقى حاضرة في القلب والعقل ، خالدة لا يمحوها الزمن.
رحلت أمي، لكن حضورها ما زال يملأ تفاصيل حياتي. أسمع صوتها في نصائح كانت تهمس بها كل صباح ومساء، وأشعر بيدها في دعاء كان يرافقني قبل كل خطوة. كانت أمي وطناً صغيراً ألوذ به من قسوة العالم، وحين غابت أدركت أن بعض الأوطان لا يمكن تعويضها.
الأم ليست مجرد كلمة تقال، بل هي تضحية وصبر وعطاء لا ينتهي. ومن حقها على أبنائها أن يبادلوها شيئاً من هذا العطاء والأهتمام والحب والاحترام وخدمتها في حياتها، فخدمة الأم ورعايتها ليست تفضّل من الأبناء بل واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون واجب ديني ،فكم من أم سهرت الليالي وتعبت السنوات من أجل راحة أبنائها، وحتى أبنائهم،، وكم من دعاء صادق خرج من قلبها ليحميهم ويبارك خطواتهم. لذلك فإن برّ الأم والوقوف إلى جانبها وخدمتها في حياتها هو أعظم هدية يمكن أن يقدمها الأبناء، لأن وجودها بيننا نعمة لا يعرف قيمتها الحقيقية إلا من فقدها.
في عيد الأم، يكتب كثيرون رسائل الشكر لأمهاتهم، أما أنا فأكتب رسالة إلى السماء. أقول فيها: يا أمي، ربما لا تصلك كلماتي كما كانت تصل إلى قلبك وأنت بيننا، لكنني ما زلت أحدثك في كل يوم، وما زلت أبحث عنك في الدعاء وفي الذكريات. كنت تقولي لي لا تتركني وانت من تركني يا امي.
علمتني أمي أن الحب الحقيقي لا ينتهي بالموت، وأن العطاء الصادق يترك أثراً لا يزول. تركت في روحي بصمتها، ومن طيبتها ، وفي دعائي اسم لا يغيب. لذلك، حين يسألني أحدهم عن أمي، لا أقول إنها رحلت بل أقول إنها أصبحت أقرب إلى الله.
وفي هذا العيد، لا أملك زهرة أضعها في يديكي، لكنني أملك دعاءً لا ينقطع:
يا الله ارحم أمي وابي بقدر ما احبهم قلوبنا، وبعدد نقاط الأمطار وبعدد أوراق الأشجار وبقدر ما تعبا علينا ولأجلنا، واجعل الملكوت السماوية دارهم ولقاءنا بهما أجمل موعد.
امي وابي ، أتمنى من قلبي أنني لم أقصر معكم من حب واهتمام في حياتكم وإن كنت قد قصّرت يوماً أو أغضبتكم لحظة دون قصد، فسامحوني، يا احن القلوب اللذان كانا يتسعان لكل شيء. أشتاق لابتسامتكم التي كانت تذيب كل تعب وحزن عندما أراكم، وأشتاق لصوتكم الدافئ وأنتم تستقبلوني بقولكم : “هلا هلا”. رحمكم الله يا أمي ويا أبي ، وجعل ذكراكم مؤبداً ونوراً في قلبي ما حييت.
نعم يرحل الوالدين عن هذه الدنيا ، لكنهم لا يرحلو من الذاكرة ولا من القلب. الوالدين ليسو مجرد أشخاص في حياتنا، بل هم الحياة نفسها… ولذلك أمي خالدة رغم وفاتها وابي السند الذي لم يمت رغم وقاته