الأول نيوز – رثى الدكتور مالك صوان والدته التي توفيت الأسبوع الماضي بنص حارق ومؤثر قال فيه…
رَحَلَتْ جميلة …
فصار الحنينُ وجعًا صامتًا.
عندما كان يُقال لي: أنَّه لا فَقْدَ أعظمُ من فقدِ الأم، لم أكن أتصوَّر يومًا أنني سأقف بإزاءِ جلالِ هذا الألم العظيم، ولا أن أكتويَ بمرارتهِ على هذا النحو، كنتُ أظنُّ -بشيءٍ من السذاجةِ التي يفرضها حُبُّ الأمّ- أنَّ الجميعَ قد يرحل إلا أمي، وأنها ستبقى السندَ الذي لا يَميد، والظلَّ الذي لا يزول، لكنني، كلما سرَحتُ في هذا الخاطر، كنتُ أؤوب فأُذكِّر نفسي بأنّها سُنَّةُ الله في خلقه، وأنَّ أعظمَ الخلقِ عندَ اللهِ قدْرًا على وجه هذه الخليقة، سيدُنا وشفيعُنا محمدُ بن عبد الله، عليهِ أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم، قد ذاقَ هذا الموت، فكيفَ بمن دونه؟.
كنتُ أُحدِّثُ نفسي كثيرًا في خلوتي، وأحيانًا أمامَ أبنائي: ماذا سأفعلُ إن جاءَ ذلك اليوم ورحلتْ أمي؟، كيف سأصطَبِرُ على غيابها؟، أيُّ خَلَلٍ سيعتري قلبي بعدَ رحيلها؟، كنتُ أتخيَّلُ هذا الرحيل، فتعتريني حالةٌ هستيريةٌ من اللاوعيِّ، فكيفَ لي أن أتقبَّله، وأرتضي بقدرِ الله وقضائِه حين يقع؟ لكنَّ الأسئلة، مهما طالت، لا تُعِدُّ القلب والنفْسَ للحقيقةِ المؤلمة المرَّة.
ثم وقعَ ما كُتب، ونفذ قضاءُ اللهِ وقدره …
رَحَلَتْ أمي …
ماتتْ جميلة… جميلةُ الاسمِ والروح، ماتت الصديقةُ والحبيبة، ماتت الطيبةُ الحانيةُ الرؤوم، ماتت المجاهدةُ والمناضلة، ماتت الصابرةُ المحتسبة، التي ما عرفتْ للانكسارِ سبيلًا، ماتت، ومعها غاضَت ضَحِكاتٌ لا تُشبهها ضحكات، وبسماتٌ كانت تَبُثُّ السكينة في القلوب، وغابت لمساتُ يديْها الدافئة، وأفَلَ ذلك الحنانُ الذي كان يُشعرنا أن العالمَ -على ما فيه- بخير.
ماتتْ أمي … وانقطعَ الدعاء، وماتَ الدلال والحنان، مات معها شيءٌ في داخلي لن يعودَ كما كان.
رحلتْ تلكَ المرأةُ الحديديةُ القوية، التي كانتْ كالجبلِ ثباتًا، وكالنورِ هدايةً، لم تستكن لظرف، ولم تنحنِ لعاصفة، بل بقيت شامخةً، صابرةً، محتسبة، تُكابدُ الحياةَ بابتسامة، وتُواري تعبها خلفَ دعاءٍ لا ينقطع، رحلتْ مَن كانت تجعل كلَّ شيءٍ أخفَّ وأسهل، رحلتْ من كانت تمسحُ عني التعب دون أن أطلب، رحلَ ذلك الصوتُ الرقراق الذي كان يطمئنني حتى لو لم يَقُلْ شيء، هي الخيرُ والعطاء، والأملُ والوفاء؛ أعطتنا كلَّ ما أحببناه بلا انقطاع، ولم تنتظر عليهِ جزاء، رأت فينا عزَّها وعزوتها، وسندها وسعادتها، وأملها ورجاءَها، فعاشت لأجلنا ومن أجلنا، عاشت عمرًا مليئًا بالضَّناء، وفي الوقت نفسه مفعمًا بالعطاءِ والإنجاز، بالدمع والفرح، وكانت في ذلك كلِّهِ قصةً تُحكى، ومثالًا يُحتذى، وسيرةً تُخلَّد.
رَحَلَتْ … لكنها بعملِها باقية.
تركتْ خلفها إرثًا لا يُدانى، وسيرةً عطرةً لا تُمحى، بشهادةِ كلِّ مَن عرفها، تركت نورًا مِن صُنعِها يمتدُّ في دروب أبنائِها وأحفادها، تركتْ ستةً مِن الرجال، وهَبَتْ ونذَرتْ نفسها وحياتها لتربيتهم وحدها، وضحَّت بكلّ شيءٍ من أجلهم، معتمدةً على حسن تدبيرها واجتهادها، لم يُعِنْها على ذلك إلا الله؛ ربَّتهم على القيمِ والأصولِ والأصالة ومكارم الأخلاق، وغرستْ فيهم حبَّ اللهِ والوطن والعِلْم، فكان منهم الأطباءُ والمهندسونَ والمثقفونَ النافعون، تركتْ أحفادًا تعلو بهمُ الهمم، وزوجات أبناءٍ تعكسُ أخلاقها في بيوتهن، وكأَن أثرها ما زالَ حيًّا في كلِّ تفصيل.
تَركتْ خلفها أيتامًا كانت لهم أُمًّا قبل أن تكونَ لهم كافلةً، وجيرانًا يشهدون بحسنِ جوارها، وصديقاتٍ ينتظرنَ خدمتها، فعَلتْ الخيرَ بكافَّة أشكاله، غيرَ منتظرة الجزاءَ إلا من خالقها، تركت أثرًا في حياتها مِن كتابِ الله، وفي دارِ قرآنٍ تشهد لها، وفي كل قلبٍ مسَّه طيبها.
حبيبتي يا ميمتي …
رحلتِ جسدًا، لكنكِ بقيتِ روحًا لطيفةً فريدةَ الجمالِ والطمأنينة تسكُننا، ودعاءً لا يفترُ عن ألسنتنا، وذكرى لا يطويها ولن يطويها الزمن، رحلتِ، وبقي في صدورنا تنهيداتٌ وآهاتٌ وكلامٌ كثيرٌ مِن العشقِ والمحبة لكِ، لم نقُلهُ بعد، رحلتِ، لكنكِ تركتِ فينا من القوةِ ما تُعينُنا على مواجهة هذه الحياة، ومن الحُبِّ ما يكفي كاملَ أعمارنا، تركتِ في نفوسِ كلِّ مَن عرفكِ أثرًا طيبًا سيبقى شاهدًا على حُسنِ دينكِ ودنياكِ، بكتكِ السماءُ يا أمي، واحتضنتك الأرضُ بحنانٍ يومَ رحيلكِ، وبكاكِ الناسُ لطيبِ ذكراكِ، بكيناكِ ونبكيكِ وسنبكيكِ يا حبيبةَ ما بقي مِن عمرنا، إلى أن نلقاكِ عند ربٍّ رحيمٍ جوادٍ كريم.
سنتذكَّركِ ونذكُرُكِ يا أمي في كلِّ يومٍ وكلِّ حين، سنتذكَّركِ ونذكُرُكِ في وقت الضيق والفرح، في وقت الحزن والسعادة، في وقت الألم والراحة، سنتذكَّرُ كلماتكِ ودعاءَكِ لنا:
“الله يرضى عليكم كلكم يمّا، رضى ربّي ورضى قلبي”، “الله يحبِّب مخلقَة الله فيكم”، “ديروا بالكم على بعض يمّا وخليكم إيد وحدة”، “الله يبرّكم زي ما بتبرّوني”، “الله يرضى عليكم بعدد ما تعبت عليكم”، وكنتِ تردّدين: {وخلقنا الإنسانَ في كَبَد}، {إنَّ مع العسرِ يسرًا}.
سنتذكَّرُ تلك النبرةَ الهادئةَ الدافئةَ في صوتكِ، ولمسات يديكِ الناعمةِ الحنونة، وقُبُلاتكِ الرقيقةَ الحانية، لن ننساكِ “يمّا” ما دُمنا أحياء.
اللَّهُمَّ يا الله، أكرمها وارحمها برحمتك، واجعل تعبَها معنا وعلينا شفيعًا لها عند جلالك، وآنسها يا الله بقربك، وأظِلَّها بظلِّك، اللَّهُمَّ يا الله، أحبَّها كما أحببتَ خلقك فيها، وتجاوز عنها واجعل أعمالها في الخير وللخير شفيعةً لها، وأدخلها جنَّتك مع النبيين والشهداء والصديقين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
الله يرحمك “يَمّا”.