الدكتور ابراهيم عبيد –
الأول نيوز – تثير الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإيران، والانسياق الأمريكي وراء رغبات حكومتها اليمينية المتطرفة بشكلٍ عميق، تساؤلات وتكهنات بأن الرئيس ترامب ربما يكون قد وقع ضحية ابتزاز ومقايضة تتعلق بملفات “جيفري إبستين” الخارجة عن نطاق الإنسانية والآدمية، لا سيما أن هناك من يربط بين سلوك ترامب المُنقاد وراء إسرائيل بطريقة تعزز تعرضه لابتزاز سياسي على خلفية ورود اسمه في ملفات إبستين، فترامب كانت مواقفه تجاه إسرائيل خلال الأشهر الماضية فيها نوع من الإملاء فيما يتعلق بإيران. وقد رأيناه كيف أجبر إسرائيل على التراجع عن ضرب أهداف إيرانية مع إعلان وقف إطلاق النار في حرب الاثنتي عشرة يوماً من حزيران/يونيو 2025م، وهو ما يشي بتعرضه للابتزاز في ذلك الملف، أو للتغطية عليه.
على أية حال، أعتقد أنه تعرض للإبتزاز، لأن زيارة نتنياهو الأخيرة كانت سبباً في تراجع ترامب عن المفاوضات وإفشالها. هذا الابتزاز – إن صح – فهو يعكس صورة التصعيد الأمريكي تجاه ايران الذي يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية.
في علم العلاقات الدولية، إذا أردنا أن نبني تفسيراً مقنعاً، ينبغي إثبات علاقة سببية مباشرة يمكن التحقق منها عبر أدلة واضحة، وهي العلاقة التي يؤدي فيها سبب معين إلى نتيجة محددة بشكلٍ مباشر وواضح، وهو ما يتفق عليه علماء العلاقات الدولية، أمثال “هانز مورغنثاو”.
ولتوصيف طبيعة هذا الابتزاز، ينبغي تعريف مفهوم “الابتزاز السياسي” في سياق هذا السلوك المتغير دراماتيكياً، عبر استخدام التهديد بكشف معلومات حساسة أو إلحاق ضرر لإجبار طرف سياسي على اتخاذ قرارات معينة، لكنه- أي الإبتزاز السياسي- مشروط بثلاثة عناصر أساسية، هي:
1- وجود معلومات حساسة موثقة.
2- امتلاك طرف ما لهذه المعلومات مع نية توظيفها.
3- وجود أثر مباشر لذلك على سلوك متخذ القرار.
التاريخ كان وما زال شاهداً ومساعداً في ترجمة الابتزاز السياسي، ومن الأمثلة على ذلك:
– قضية وزير الدفاع البريطاني جون بروفومو 1963م، وعلاقته مع كريستين كيلر المرتبطة بدبلوماسي سوفيتي، أثارت مخاوف أمنية من إمكانية ابتزازه، ما أدى إلى استقالته رغم عدم إثبات ابتزاز فعلي.
– فضيحة ووترغيت 1972م مع الرئيس ريتشارد نيكسون: هي واحدة من أشهر الأزمات السياسية في تاريخ الولايات المتحدة، وأدت إلى استقالة الرئيس نيكسون عام 1974م. ووترغيت مثال على كيف يمكن للمعلومات السرية أن تتحول إلى أداة ضغط تُسقط رئيسًا، لكن في إطار قانوني ومؤسسي وليس ابتزازاً خارجياً مباشراً، كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل مع ترامب حسب اعتقادي الشخصي الغير مؤكد من مصادر موثوقة.
– عمليات “مصائد العسل” 1955-1960م، أسلوباً استخباراتياً استُخدم بكثرة خلال الحرب الباردة، خصوصاً لدى جهاز الاستخبارات والأمن السوفيتي KGB، ويقوم على استدراج شخصية مستهدفة إلى علاقة عاطفية أو حميمة بهدف جمع معلومات حساسة أو خلق نقطة ضعف يمكن استغلالها لاحقاً.
– حالة بيل كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي 1955-1996م: استُخدمت المعلومات الحساسة في إطار ضغط سياسي داخلي ومحاكمة، وإن لم تكن ابتزازاً خارجياً تقليدياً.
هذه الأمثلة، على أهميتها، يمكن إسقاطها بشكل مباشر على حالة ترامب رغم عدم وجود أدلة موازية كما ذكرت.
وفيما يتعلق بملف إبستين تحديداً، لا توجد معطيات موثقة تثبت تورطاً قانونياً مباشراً لترامب، ولا دلائل تشير إلى أن هذا الملف استُخدم كأداة ابتزاز ضده. وبالتالي، فإن الانتقال من مجرد وجود علاقة أو معرفة سابقة إلى افتراض تأثير حاسم على قرارات سياسية كبرى يُعد شكاً تحليلياً يقبل الخطأ والصواب، إلى أن تتكشف الحقيقة.
ومع ذلك، إذا نظرنا إلى السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال فترة حكم ترامب، فسنجد أنها قابلة للتفسير ضمن الأطر التقليدية: إعادة تموضع استراتيجي، دعم الحلفاء الإقليميين وعلى رأسهم إسرائيل، وموقف أيديولوجي رافض للاتفاق النووي، إضافة إلى اعتبارات داخلية تتعلق بالخطاب السياسي الأمريكي وطبيعة التنافس الحزبي.
في النهاية، تميل بعض القراءات إلى تبني تفسيرات استثنائية لأنها تبدو جذابة ومثيرة، لكن التحليل الرصين يقتضي الحذر، فالسياسة لا تُفسَّر عادة بعامل واحد خفي، بل هي نتاج شبكة معقدة من المصالح والتوازنات والاعتبارات الداخلية والخارجية.
وعليه، تبقى فرضية تعرض ترامب لابتزاز مرتبط بملف إبستين واردة، وإن كانت مجرد طرح غير مدعوم بأدلة كافية، ففي عالم السياسة كل شيء متوقع، مع إدراكنا أن التفسيرات القائمة على المصالح والتحالفات تظل أكثر واقعية واتساقاً مع منطق العلاقات الدولية كعلم يخضع في تفسيره لمناهج ونظريات ومقاربات ومعطيات.