الأول نيوز – د. زيدون مساد
يعدّ البحر الميت واحدا من أكثر البقاع فرادة على كوكب الأرض، ليس لكونه النقطة الأكثر انخفاضا فقط، بل لكونه مخزنا هائلا للثروات المعدنية، والكيماوية التي لا توجد مجتمعة في مكان آخر. ومع ذلك، يظل التعامل مع هذا الكنز في كثير من الأحيان حبيس النظرة التقليدية القائمة على الاستخراج الأولي. إن الحقيقة العلمية والاقتصادية تؤكد أن البحر الميت ليس ميتا كما يوحي اسمه، بل هو مختبر طبيعي، ومنجم مفتوح يتطلب عقلية استثمارية تتجاوز تصدير المواد الخام إلى آفاق الصناعات المتقدمة.
المحور الأول: من تصدير الخام، إلى سيادة المنتجات النهائية،
تعتمد القيمة المضافة لأي اقتصاد وطني على طول سلسلة القيمة في الجانب الشرقي من البحر الميت، حققت شركات البوتاس، والبروم نجاحات عالمية، لكن التحدي القادم يكمن في التحول من مورد للمواد الخام، إلى مصنع للمنتجات النهائية.
إن بيع أطنان من البوتاس (سماد خام) يحقق ربحا، لكن تحويل هذه المعادن إلى مركّبات كيميائية معقدة تدخل في صناعة الأدوية، والمنظفات التكنولوجية، والمواد الحافظة المتطورة، يضاعف العائد المادي مئات المرات. إن توطين الصناعات التحويلية يعني بناء مصانع على ضفاف البحر الميت، لا تكتفي باستخراج الأملاح، بل تحولها إلى منتجات جاهزة للرفوف العالمية، ما يخلق آلاف فرص العمل، ويقلل الاعتماد على تقلبات أسعار المواد الخام في الأسواق الدولية.
المحور الثاني: البحث والتطوير.. مفتاح الوصول إلى كنوز الطاقة.
تشير العديد من الدراسات الجيولوجية إلى أن حفرة الانهدام التي يقع فيها البحر الميت، تخفي في طياتها إمكانات واعدة من مصادر الطاقة، سواء أكانت طاقة حرارية أرضية، أم مؤشرات لهيدروكربونات (نفط وغاز) تتطلب تِقنيّات تنقيب متطورة.
فالاستثمار في البحث، والتطوير (R&D) ليس ترفا، بل هو ضرورة حتمية. إن الفجوة بيننا، وبين الدول المتقدمة في استغلال مواردها ليست في وفرة الموارد فحسب، بل في القدرة على رؤية ما تحت الأرض بأدوات العلم الحديثة. يتطلب الأمر شراكات مع مراكز أبحاث عالمية، واستخدام تقنيات المسح الجيوفيزيائي ثلاثي الأبعاد لاستكشاف مكامن الطاقة، بالإضافة إلى استغلال المساحات الشاسعة حول البحر الميت لإقامة مزارع طاقة شمسية عملاقة تعمل على تشغيل العمليات الصناعية بكلفة صفرية، ما يجعل المنتج الأردني الأكثر تنافسية عالميا.
المحور الثالث: التسويق العالمي؛ تحويل “الطينة” إلى علامة تجارية
يمتلك البحر الميت ميزة تنافسية، لا يمكن تقليدها: السمعة العلاجية والسياحية الفريدة. ومع ذلك، ما زلنا نرى منتجات البحر الميت العلاجية تفتقر في كثير من الأحيان إلى التسويق الذي يليق بمكانتها العالمية؛ مقارنة بماركات تجميل عالمية قد تكون أقل جودة، لكنها أكثر انتشارا.
يتطلب التسويق العالمي استراتيجية هجومية تشمل:
بناء هوية بصرية عالمية: ربط اسم البحر الميت بالجودة الفائقة والرفاهية الطبية.السياحة الاستشفائية: تطوير مراكز علاجية متكاملة لا تكتفي بتقديم الفنادق، بل تقدم برامج طبية معتمدة عالميا؛ لعلاج الأمراض الجلدية، والمفاصل، ما يجذب صناعات القيمة المضافة.
الرقمنة: الوصول إلى المستهلك في أوروبا وأمريكا وعبر المنصات الإلكترونية مباشرة، مع ضمان شهادات جودة عالمية ترفع من موثوقية المنتج المحلي.
وفي الختام، إن البحر الميت يمنحنا أكثر بكثير مما نأخذ منه حاليا. إن الانتقال من اقتصاد الاستخراج الخام إلى اقتصاد الابتكار، والتصنيع هو الجسر الوحيد لتحويل هذا المورد الطبيعي إلى محرك أساسي للتنمية المستدامة. البحر الميت ينتظر قرارا استثماريا جريئاً