الاول نيوز – هشام القواسمة
في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التجاذبات الإقليمية، وتكاثرت الأقلام والمنصات التي تحاول النيل من المواقف الثابتة، يبرز السؤال الجوهري: لماذا الأردن؟.
الإجابة لا تحتاج إلى تنظير سياسي بقدر ما تحتاج إلى استنطاق الوقائع التي سطرتها القيادة الأردنية والجيش العربي الأردني في الميدان، والقرارات التي اتخذتها الدولة في الغرف المغلقة دفاعاً عن عروبتها وسيادتها.
من القدس إلى الكرامة
لم تكن دماء الجنود الأردنيين يوماً إلا مهراً لفلسطين وقضايا الأمة. ففي حرب عام 1967، خاض الجيش العربي معارك ضارية على أسوار القدس وفي تلال الضفة الغربية، مسطراً بطولات شهد بها العدو قبل الصديق. ولم تكن تلك التضحيات إلا مقدمة لرد الاعتبار العربي في معركة الكرامة عام 1968؛ حين كان الجيش الأردني أول قوة نظامية عربية تكسر غرور جيش الكيان، وتجبره على التراجع والاندحار، في لحظة تاريخية أعادت الأمل للإنسان العربي من المحيط إلى الخليج.
فك الارتباط
يرى البعض في قرار “فك الارتباط” مساحة للتأويل، لكن القراءة الصحفية المنصفة تؤكد أنه كان خياراً عربياً وفلسطينيًا استراتيجياً، استهدف الحفاظ على الشخصية الوطنية الفلسطينية من الذوبان، ومهّد الطريق لتكون فلسطين قضية شعب يقرر مصيره بنفسه فوق ترابه الوطني.
هذه الاستقلالية في القرار تجلت بوضوح إبان أزمة الخليج، حين رفض الأردن الانجراف خلف “مهرولي حفر الباطن”، متمسكاً بضرورة إبقاء حل الأزمات العربية داخل “البيت العربي”. كان موقفاً شجاعاً كلف الأردن الكثير، لكنه أثبت أن السيادة الأردنية ليست للبيع أو المقايضة.
داعش والكبتاجون
اليوم، يواجه الأردن حرباً من نوع آخر، حيث يقف الجيش العربي بالمرصاد على الحدود الشمالية والشرقية، مدافعاً ليس عن أمن الأردن فحسب، بل عن أمن المنطقة برمتها. فمن تحطيم أحلام تنظيم داعش الإرهابي، إلى مواجهة ميليشيات تهريب الكبتاجون، يثبت الأردن أنه السد المنيع الذي يحول دون تمدد الفوضى والسموم إلى عمق الجوار العربي.
صفقة القرن والتهجير
وفي العقد الأخير، تعرض الأردن وعلى رأسه جلالة الملك لضغوطات هائلة لتمرير ما عرف بـ صفقة القرن، إلا أن الموقف الأردني ظل صلباً، رافضاً لأي مشاريع تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب الحقوق المشروعة أو على حساب الهوية الوطنية الأردنية. كان الصوت الأردني هو الأعلى في رفض التهجير القسري (الترانسفير)، معتبراً أن بقاء الفلسطيني على أرضه هو صمام الأمان والقاعدة التي لا يمكن التنازل عنها.
وبعد
من يشكك في الدور الأردني، إنما يغمض عينيه عن شمس الحقيقة. فالأردن لم يكن يوماً مجرد عابر سبيل في أحداث المنطقة، بل كان ولا يزال الرقم الصعب والظهير والسند. إن لماذا الأردن هي إجابة واضحة لكل من يقرأ التاريخ بإنصاف لأنه الوطن الذي آثر الثبات على الهرولة، والمواجهة على الصمت، والعروبة على المصالح الضيقة.