الأول نيوز – موسى برهومة
يصادف عيد الفصح، الذي يُحتفل فيه بقيامة السيد المسيح، مع علو أصوات الانفجارات وصافرات الإنذار، على الصلوات. وعوضاً عن إضاءة الشموع، تشتعل السماوات والأرض بالنيران، وتعلو أدخنة البارود والجثث المحترقة على رائحة القداسة المضمخة بالنذور والرجاءات العظمى التي حملتها الأديان على كتفيها.
ويتزامن عيد القيامة المسيحي مع عيد الفصح اليهودي، وكذلك مع عيد النيروز الذي يمثل عيد رأس السنة الفارسية، ويعد أكبر الأعياد الفارسية. وبرغم من كونه لا ينتظم في إطار الأديان، إلا أنّ له قيمة رمزية، لأنه يستبطن رؤى تحث على الحياة والخير والاحتفال بما وهبته الطبيعة من جمالات ملونة.
الثلاثية الروحية
هذه الثلاثية الروحية لا تترجم كأفعال حاثة على تفادي الجحيم الذي يهدد به زعماء الحرب وتجارها، ما جعل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يخرج عن اللغة المعتدلة، في خطبته الأخيرة في أحد الشعانين (أحد السُعف)، حيث أكد أنّ الرب “لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها. حتى لو صليتم كثيراً، فلن أستمع إليكم: فأيديكم ملطخة بالدماء”.
وبالتوازي مع الحرب العسكرية المدمرة، ثمة حرب دينية تتوكأ على النصوص المقدسة، بدلالة إطلاق كل طرف فيها أسماء مستلة من التراث الديني، فإيران اختارت “الوعد الصادق4” وإسرائيل “زئير الأسد”. أما الولايات المتحدة فاختارت “الغضب الملحمي” الذي عبر عنه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، وهو يترأس صلوات مسيحية في البنتاغون، من أجل “عنف ساحق ضد أولئك الذين لا يستحقون الرحمة”.
استخدام الدين في الحرب
ويثير استخدام الدين في الحرب حفيظة جنود أميركيين تقدم عدد منهم بشكوى قالوا فيها إنّ قائد وحدتهم كان يحث الجنود على تبني هذه الرؤية الدينية للحرب، باعتبارها جزءاً من “الخطة الإلهية”. وجاء في الشكوى، كما ذكرت وسائل إعلام، أنّ القائد يستشهد بعدة مقاطع من “سِفر الرؤيا” التي تتحدث عن “هرمجدون” (Armageddon)، وهي فكرة تنتمي إلى المعتقدات المسيحية، وتحديداً في التقليد الإنجيلي (المسيحية الصهيونية)، وتتحدث عن صِدام حاسم بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان، والعودة الوشيكة للمسيح. ووردت نبوءة هذه المعركة في سفر الرؤيا (الإصحاح 16:16) من الكتاب المقدس.
التفويض الإلهي لترمب
وفي غضون هذه الحرب الموازية قال أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يحمل تفويضاً إلهياً لخوض هذه الحرب والانتصار فيها، وقارنه بعضهم بالملك كورش الذي يوصف أيضاً في المعتقدات التوراتية بأنه أداة الله الفارسية التي حرّرت اليهود. ووُصف ترامب، على لسان وزير الخارجية السابق مايك بومبيو بأنه “رُبِّيَ لمثل هذا الوقت، تماماً مثل الملكة إستر، للمساعدة في إنقاذ الشعب اليهودي من الخطر الإيراني”. وتعد إستر شخصية يهودية محورية في العهد القديم، أنقذت شعبها من الإبادة في بلاد فارس.
وبفعل الانتقاء القسري والمختزل للنصوص الدينية، يسود شعور عند كثير من الإسرائيليين والأميركيين، والمؤمنين بالمسيحية الصهيونية بأنّ الحرب الراهنة ليست عسكرية فحسب، بل هي استجابة عميقة ووفية لنداءات النصوص المقدسة التي يجري كثيراً ليْ أعناقها لتخدم الفكرة العدوانية التي تتوسل بمفرادات السحق والإبادة والعنف الذي لا يعرف الحدود. ولعل ذلك ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الشهر الماضي، إلى الجهر بأنه “ليس ليسوع المسيح أي أفضلية على جنكيز خان. إذا كنت قوياً بما يكفي، وقاسياً بما يكفي، وذا نفوذ كافٍ، فسوف يتغلب الشر على الخير”.
ماذا تقول السردية الإيرانية؟
في المقابل تُجمع السردية الإيرانية على اعتبار الضحايا في الحرب شهداء، في استعادة وجدانية بالغة الأثر لأحداث تاريخية رافقت الفكر الشيعي الذي يحترف في جعل المنعطفات الكبرى كربلاء جديدة، على ما يستبطنه ذلك من بث الحماسة، وعدم الخشية من الموت، لأنه طريق للصمود والمواجهة، صعوداً إلى الانتظار الأكبر المتمثل في ظهور الإمام المهدي، أو “الإمام الغائب”، وهو شخصية يؤمِن المسلمون بظهورها في الفترة الأخيرة من حياة البشر على الأرض، أو ما يعرف إسلامياً بـ”آخر الزمان”، ليكون هذا الشخص حاكماً عادلاً وعظيما”، لدرجة أنه سينهي الظلم والفساد على وجه الأرض، وينشر العدل والإسلام الصحيح، ويحارب وينتصر على أعداء الإسلام وأبرزهم اليهود، بحسب موسوعة “أعيان الشيعة” التي بدأ بتأليفها محسن الأمين العاملي، وأنهاها ابنه حسن الأمين.
وبرغم من ظلم النصوص الدينية، وظلم الدنيا أيضاً، وتكدير حياة البشر المؤمنين بالعدل والطمأنينة وإعمار الأرض ونشر المحبة، يبقى عيد الفصح، منصة أساسية لترسيخ السلام، وإفراغ الأدبيات المشحونة بالغضب والاستئصال والانتقام، ونزع فتيلها المُهلك.
حتى “محبة الأعداء”
ويستمد الفصح قوته من كونه منصة روحية غائرة في الوجدان الإنساني، للحث على المحبة، حتى “محبة الأعداء”، فذكرى قيامة المسيح هي رمز لانتصار الحياة على الموت، والنور على الظلام، والرجاء على اليأس، وهي أيضاً دعوة لمواجهة الألم، لا تصعيده، ما يجعل كعب السيد المسيح يعلو على عقيدة جنكيز خان الذي أنشأ إمبراطورية عظمى خضبت أراضي المعمورة جلّها بالدماء والجماجم والكراهية.
وبرغم ذهاب العالم، كما تنبئ الحوادث الراهنات والمقبِلات، إلى الحروب التى رأى فيها هيغل “محركاً للتاريخ والتغيير”، فإنّ الاعتصام بالقيم الحالمة، يبقى رفيق الإنسان وبوصلته التي تقيه من التهدم، وهي مهمة صعبة تتكفل بها الأديان والعقائد والأيديولوجيات حتى لو كانت ذات آفاق ومرجعيات ميتافيزيقية.
الوهم المقدس
اشتقاق موجبات الحرب من نصوص دينية، منزوعة من سياقاتها، له مفعول أشد فتكاً من وسائل الحرب نفسها، لأنها تجرد القادة وزعماء الحرب من عبء المطاردة الأخلاقية التي يتولاها الضمير، بل إنها فوق ذلك تمنح هؤلاء القادة ضوءاً أخضر، ورخصة، وتمهد لهم السبل الطيّعة لإكمال المهمة المقدسة التي اختارها الإله لهم. وهذا ما يجعلهم يخوضونها بكل طمأنينة، فلا قلق يساورهم، ولا تأنيب ضمير يقض مضاجعهم. إنهم يضربون بسيف الله، وينسفون المدارس والمصانع والمشافي والجسور والبيوت الآمنة، محروسين برعاية السماء التي لا تخذل أتباعها ورعاياها. وذلك عين الوهم المقدس!