الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب
في قتال الوحش لا يحدث النصر دفعةً واحدة، بل يبدأ من تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون. سنٌّ ينكسر هنا، وأثرٌ يتراجع هناك، حتى تتغير الصورة كاملة دون إعلان صريح. فالقوة، مهما بدت مطلقة، تحمل في داخلها قابلية التآكل، وحين تبدأ هذه العملية، فإنها لا تتوقف بسهولة.
من قطاع غزة لم يكن الحدث مجرد مواجهة عابرة، بل لحظة كشفت أن المعادلة القديمة لم تعد تعمل كما كانت. لم يعد التفوق كافيًا لصناعة الحسم، ولم تعد الهيبة قادرة على فرض الصمت. هناك شيء انكسر، أو على الأقل بدأ يتشقق، وبدأ العالم يراه بوضوحٍ متزايد.
لكن المشهد لم يبقَ محصورًا في نقطة واحدة. في لبنان يتواصل الضغط كجبهة استنزاف مفتوحة، لا تحسم لكنها تُرهق، ولا تنهي لكنها تُبقي الكلفة قائمة. وفي اليمن يظهر تأثير مختلف، بعيد جغرافيًا لكنه حاضر في المعادلة، يعيد رسم خطوط الحركة ويضع قيودًا جديدة على المسار. أما إيران، فهي ليست ساحة اشتباك مباشر بقدر ما هي مركز ثقل يعيد تشكيل التوازن، ويفرض واقعًا لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.
أمام هذا الامتداد، تجد إسرائيل ومعها الولايات المتحدة أن المواجهة لم تعد حدثًا يمكن احتواؤه في إطار ضيق، بل أصبحت شبكة معقدة من الضغوط المتقاطعة، حيث كل جبهة، مهما بدت محدودة، تساهم في استنزاف الصورة الكبرى.
ما يحدث ليس نبوءة ولا خطابًا حماسيًا، بل واقع يتشكل أمامنا. واقع يقول إن الكلفة لم تعد من طرف واحد، وإن القدرة على الفعل لم تعد تعني القدرة على الحسم، وإن التفوق، حين يُستنزف عبر الزمن، يفقد أهم عناصره: الردع.
وحين تتكسر الأسنان، لا يسقط الوحش فورًا، لكنه يفقد قدرته على الافتراس كما كان. يفقد سرعته، دقته، وثقته بنفسه. يصبح أكثر شراسة أحيانًا، لكن أقل قدرة على إنهاء المعركة.
لهذا، فإن ما نراه اليوم ليس نهاية، بل بداية مرحلة جديدة تنكسر فيها الاسنان تدريجيا… مرحلة لم يعد فيها العالم كما كان، ولن تعود فيها المعادلات إلى بساطتها الأولى
وحش يفقد القدرة على الافتراس يموت جوعا.