الاول نيوز – الدكتور زيدون محمود المساد
تنعكس في عالم المقاهي اليوم ظاهرة بصرية واقتصادية ملفتة يُطلق عليها اسم العولمة الخوارزمية فمن مقهى صغير يقدم “السبانيش لاتيه” أو أكواب “الكابتشينو” إلى مقاهي الإنترنت ، وصولاً إلى المقاهي الكبرى المموّلة أو حتى أكشاك القهوة المحلية البسيطة كـ “قهوة أبو العبد”، أصبحت مقاهي العالم تتشابه بشكل غريب في هويتها البصرية وتصميمها الداخلي.
ويرجع السبب الرئيس وراء هذا التوحيد التصميمي—بحسب الكاتب كايل تشايكا—إلى الخوارزميات والأنظمة الذكية لمواقع التواصل الاجتماعي. فقد سمحت منصات مثل إنستغرام وتيك توك لأصحاب المقاهي برؤية عناصر الديكور واللوحات الطريفة التي حققت شهرة واسعة في طرف آخر من العالم وتقليدها، في حين ساهمت تطبيقات التصفح والخرائط مثل “غوغل مابس” في ترشيح وتكرار هذه الأنماط المتقاربة للزوار. والنتيجة هي قالب تصميمي موحد: جدران من الطوب المكشوف أو مدهونة بألوان مريحة للعين، طاولات خشبية كبيرة، إضاءة طبيعية وغفيرة، وقوائم مشروبات مكتوبة بالطباشير على لوحات كرتونية.
غير أن هذا النهج البصري والمفهوم التشغيلي بدأ يشهد تحولاً وتراجعاً من قِبل الشركات الكبرى. فعلى سبيل المثال، قضت سلسلة “ستاربكس” سنوات في تقليل المقاعد المريحة لتسريع دوران الطلبات عبر التطبيقات الهاتفية، مُرسلةً رسالة غير مباشرة للزبائن بعدم المكوث لساعات طويلة. ولكن هذا التغيير أدى في النهاية إلى انكماش قاعدة العملاء وتراجع صافي الأرباح سنوياً—من 4.18 بليون في 2021 إلى 3.3 بليون في 22، ثم 4.12 بليون في 23 و3.7 بليون في 24، وصولاً إلى 1.8 بليون في 2025. وتُعزى هذه التراجعات لعدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية من بينها حركة المقاطعة وتغير سلوك المستهلك، إلا أن القاطرة الأساسية تكمن فيما يُعرف بـ “تكلفة الفرصة البديلة” وضرورة تقديم “القيمة المضافة”. ونتيجة لذلك، أعادت الشركة تقييم استراتيجيتها وأعلنت عزمها إعادة المقاعد المريحة والإضاءة الدافئة والمزيد من الألوان، لتبدو مقاهيها أقل جموداً وأكثر حيوية.
وعند إسقاط هذه المفاهيم على سوق المقاهي في الأردن، نجد ديناميكيات محلية فريدة تتفاعل مع هذه التغيرات العالمية:
إعادة تعريف “القيمة المضافة” والبدائل المحلية: شهد السوق الأردني تحولاً كبيراً لصالح المقاهي المحلية والمختصة (Specialty Coffee)؛ إذ أعادت المقاطعة والتغيرات الاقتصادية توجيه قاعدة العملاء. وأثبتت المقاهي الوطنية أن القيمة المضافة ليست محتكرة من العلامات التجارية العابرة للحدود، بل يمكن تقديم قهوة عالية الجودة في بيئة ذات تصميم جذاب يدعم الاقتصاد المحلي.
ثنائية “قهوة أبو العبد” و”السبانيش لاتيه”: ينقسم السوق الأردني بوضوح بين نموذج القهوة السريعة على الطرقات التي تعتمد على السرعة والسعر المناسب والألفة—وهذا القطاع لم يتأثر بتصاميم إنستغرام لأن قيمته المضافة تكمن في الخدمة السريعة—وبين المقاهي الحديثة في مناطق مثل عبدون والصويفية واللويبدة. وإن كانت بعض المقاهي الحديثة قد وقعت في فخ التكرار، إلا أن كثيراً منها نجح في دمج التصميم العالمي مع لمسات معمارية أردنية أو فنون عربية منحته هوية بصرية خاصة.
ثقافة بيئات العمل والمطالعة (Work & Study Hubs): يُعتبر المقهى في الأردن—خاصة لطلاب الجامعات والمستقلين—مساحة للمكوث والعمل لساعات طويلة. والمقاهي التي حاولت تقييد الجلوس أو خدمات الإنترنت خسرَت لصالح مقاهٍ وفرت بيئة مريحة وخدمات داعمة للإنتاجية (Co-working Cafes).
تجاوز ترندات التواصل الاجتماعي: يظهر بوضوح أن الاتكال على الديكورات الجذابة المقتبسة من الخوارزميات وحده لا يكفي لاستدامة المشروع في الأردن؛ فالزبون يبحث عن جودة المنتج الفعلي، السعر العادل، والخدمة الودودة. أما المقاهي التي تكتفي بالشكل الجمالي فقط دون الاهتمام بالتجربة الكاملة، فغالباً ما تحقق نجاحاً مؤقتاً كـ “ترند” قبل أن يتراجع الإقبال عليها. إن القهوة في الأردن والعالم لم تعد مجرد مشروب للتزود بالكافيين، بل هي طقس اجتماعي ومساحة للراحة والعمل. ويُظهر التحول الأخير في سلوك الشركات الكبرى والمحلية أن النجاح المستدام للأنشطة التجارية في هذا القطاع يكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين الجاذبية البصرية للتصميم والراحة الجسدية والنفسية التي تجعل المقهى مكاناً يود الزبون العودة إليه دائماً.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم