الأول نيوز – بين خيمة وأخرى يعيش الأطفال بالإسم فقط، لكنّ حياتهم أبعد ما تكون عن الطفولة؛ سنوات البراءة يعيشونها تحت لهيب القصف وعلى أرصفة النزوح، يُثقل كاهلهم جالون الماء والبحث عن ضرورات الاستئناف، حتى شابت أعمارهم قبل شبابها.. إنّها طفولة مع وقف التنفيذ.
في غزة، يقترب عدد الأطفال من نصف التعداد السكاني، نالت منهم ويلات الحرب؛ 18 ألف طفل شهيد، ونحو 60 ألف طفل خسر أمانه باليُتم، وجميعهم لم يجلسوا على مقاعد دراسية لائقة منذ ثلاث سنوات، و700 ألف طفل يحلمون أن تطير أجنحتهم من تحت الرماد إلى فضاء يحتضن آمالهم بحياة طبيعية.
عيون تبحث عن الحياة
يجلس أطفال مخيم جسر الحياة، بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، أمام شاشة عرض كبيرة لمشروع “الأجنحة الصغيرة”. يشاهدون شخصيات كرتونية وأحداثًا تدور بطريقة مختلفة عما اعتادوه من حولهم. إنّها “سينما” وسط الخيام.
يركّز الطفل عبد الرحمن حمد، ذو الثمانية أعوام، في الشاشة دون أن يرفّ له جفن، حتى لا تفوته لحظة متعة، فما كاد أن يوعى على الحياة حتى باغتته الحرب.
يقول عبد الرحمن “هذه المرة الأولى أصطف في طابور مختلف عن انتظار دوري في تعبئة المياه، أو شراء ربطة الخبز المدعوم. أنا أنتظر رسمة على وجهي بالألوان حتى أعود للخيمة وأرى نفسي بالمرآة، ومن ثم اللحاق بعرض الفيلم”. يروي عبد الرحمن تفاصيل يومه بلهفة، ينشغل بمتعته وبنفسه، لا بهموم تفوق استيعابه.

الطفل عبدالرحمن حمد يشاهد الفيلم
“كان كتير نفسي أحضر فيلم”، تعبّر الطفلة سارة حمد عن فرحتها بتحقيق أمنيتها وتقول “حضرت اليوم لأنني أفتقد لشعور الفرح، أريد أن أفرغ طاقتي وأن نفرح جميعنا كأطفال المخيم، فهذه أول مرة نحظى بأنشطة ترفيه، ولا أحد يهتم بما يشعر به الأطفال في الخيام”.
وتتمنى سارة (إحدى عشرة عاما) أن تستمر هذه الأنشطة في المخيم، فمشاهدة فيلم أو حفل ترفيهي حدث لا يتكرر كثيرًا، وتخبرنا عن المأساة الكبرى: “أشعر أننا مقطوعين عن العالم الخارجي؛ لذا أتمنى ألا ينسانا العالم”. وبجانب سارة يجلس الأهالي، حالهم كحال الأطفال في المخيم، والآباء يساعدون فريق المبادرة في ضبط الأنشطة.

الطفلة سارة حمد تتابع العرض السينمائي
محاولات إنعاش المرح
يتهافت الأطفال في الشارع على يافا المشهراوي، مُنسقة مشروع الأجنحة الصغيرة، يسألونها إن كان هذا اليوم الترفيهي سيُعاد في القريب أم سينتظرون كثيرًا، وهي بدورها تشرح عن المبادرة: “سينما الأجنحة الصغيرة هي مبادرة ثقافية إنسانية للأطفال في ظل الحرب، بإدارة مؤسسة مشهراوي لدعم السينما والسينمائيين، وقد بدأت بعد انطلاق مهرجان غزة السينمائي الدولي للأطفال نهاية العام الماضي”.
تُضيف المشهراوي: “في ظل غياب المراكز الثقافية، وانعدام المساحات الآمنة للأطفال في غزة، تنطلق سينما الأجنحة الصغيرة لتكون شاشة متنقلة تصل إلى الأطفال حيث هم، سواء في المخيمات، أو في الساحات، أو الأحياء، لتمنحهم لحظات من المرح عبر عروض سينمائية لأفلام كرتونية، تكون مساحة فرح تُعيد للأطفال حقهم في الضحك واللعب والتخيّل”.
لا تقتصر المبادرة على عروض الأفلام فقط، إذ يتكون كل عرض -مدته ثلاث ساعات- من أنشطة متنوعة تبدأ بالرسم على وجوه الأطفال بريشة فنان متخصص، ومنشّط أطفال يقود التفاعل على وقع أغانٍ وأنشطة موسيقية مخصصة للأطفال؛ بهدف التفريغ النفسي وخلق جو من الطمأنينة والفرح قبل البدء بعرض الفيلم المخصص للأطفال على شاشة كبيرة، لتكون تجربة سينمائية حقيقية.

مصاعب لا بد منها
وتتحدث المشهراوي عن المعوّقات: “نواجه صعوبات جمة تتوزع ما بين التنقل بين المخيمات بسبب صعوبة المواصلات، وأزمة توفير الكهرباء نتيجة انقطاع الوقود، ناهيك عن الخطر الأكبر، وهو القصف وإطلاق النار العشوائي، خاصة في المناطق القريبة من الخط الأصفر”، وهنا تروي حدثًا أطلق فيه جيش الاحتلال النار تجاه الأطفال خلال العرض في مخيم قريب من الخط الأصفر شرقي القطاع، مما اضطرهم إلى نقل النشاط في مكان آخر قريب.
وعبر مبادرة “الأجنحة الصغيرة”، تقدّم مؤسسة المشهراوي عروضًا سينمائية بشكل يومي، إلا أن ذلك لا يكفي ترفيهيًّا لأطفال القطاع في خيام مهترئة وبيوت متشققة ومدارس متهالكة دون حتى رسمة على الحائط. يمر العرض مرة واحدة على كل حارة أو مخيم أو مركز إيواء، فيما يسعى المنظّمون لمعاودة العرض للأطفال، لكن كثرة الطلب مع قلة الإمكانيات لا تخدم هذا الهدف، لذا يبقى الأطفال على أمل أن تعود “الأجنحة الصغيرة” مرة جديدة محمّلة بالترفيه الذي يستحقه أطفال غزة المنكوبة.

ثلاث سنوات من الموت المفتوح انتزعت من الأطفال براءتهم، وحرب طاحنة جعلت الحياة الطبيعية حلمًا غير قابل للتحقق.. مجرد صف مدرسي لائق، حقيبة ملونة، أرجوحة في الساحة، والعودة إلى منزل دافئ ومشاهدة فيلم كرتونيّ عبر التلفاز؛ مشهد طبيعي، لكن في غزة لا يغدو طبيعيًّا، ويبقى الطفل مقصوص الأجنحة ينتظر من يرسم على وجهه ابتسامة. (بوابة الهدف – مرح عطالله)
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم