على طرقات القدس

الخوري أنطوان الدويهيّ –

الأول نيوز – على طرقات القدس القديمة رحتُ أسير وحولي كوكبة من المشاة، يسيرون بلا توقُّف، لا يلتفت الواحد إلى الآخر. فالمسيحيّ يسير إلى جوار المسلم، والمسلم إلى جوار اليهوديّ؛ العربيّ إلى جوار الأجنبيّ، والفرنسيّ إلى جوار الإيطاليّ… كلُّهم يسيرون، كلُّ واحد إلى هدفه، في صمت خاشع وجوّ من الرهبة المقدَّسة.

القدس القديمة، أورشليم هي مدينة السلام حيث ترى السلام مسيطرًا في كلِّ ناحية من نواحيها. بيوتها القديمة تعود بك إلى قرون خلت، فتشعر بالزمن يسير بك إلى الوراء، إلى عهد قديم حيث لا كهرباء ولا مركبات آليَّة، ولا تطوُّر غشيم ظالم، بل سكون وهدوء وطمأنينة. لون بيوتها الرماديّ يرمي عليك وشاحًا من البركة والقداسة. شوارعها الضيّقة توحي لك بالراحة والهدوء. محلاَّتها البسيطة تدفعك إلى التأمُّل والفرجة. شعبها يوحي لك بالبساطة والوداعة. طيرها يحلِّق مسبِّحًا الجالسَ على مركبة الكاروبيم أو على سحب الساروفيم…

يا قدس، كيف تجمعين على أرضك الكنائس والمجامع والجوامع؟ فعلى أرضك يجتمع المؤمنون بالله الواحد يصلُّون كلٌّ على طريقته الخاصَّة. يرفعون الأدعية إلى خالق الكون الذي خلقك فريدة من نوعك. يرفعون الأيادي مبتهلين إلى إله سكن فيك! يهتفون بالدعاء إلى ربٍّ حلَّ فيك ضيفًا!

يا قدس! يا مدينة قديمة ألا يجب أن تكوني مدينة مصغَّرة عن عالم اليوم؟ ألا يجدر بك أن تنقلي قداستك إلى العالم كلِّه؟ لماذا أنت فريدة مميَّزة، ولماذا لا تقتدي بك مدينة؟

يا قدس! إلى متى تبقين محصورة ضمن سور يمنع سلامَك من التغلغل في العالم رويدًا رويدًا؟ إلى متى تحجبين الأمان – الذي تتمتَّعين به وحدك – عن شعوب الأرض قاطبة؟ هل كتب لك أن تبقي نموذجًا للأخوَّة والألفة والسلام؟ هل كتب لك أن تكون مثالاً فريدًا لا يمكن نسخه في أيِّ مدينة أو قرية في العالم؟

يا قدس! ليتك تعلِّمين العالم معنى السلام الحقيقيّ! ليتك تقودين العالم إلى عالم من المحبَّة والألفة والتفاهم.

يا قدس! يا مدينة القداسة والتقوى حيث تجتمع الديانات السماويَّة الثلاث بكلِّ انفتاح وتعيش بكلِّ سلام. من أين تملكين السلام؟ وكيف تحتفظين به؟

يا قدس! يا مدينة السلام، في معابدك على ركبيَّ أجثو وأصلّي، لأنَّ الله ملك السلام يسكن فيك!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المخدرات خربت عقول أبنائنا

الاول نيوز – شفيق عبیدات –   كان يوما مفجعا ومروعاً وحزينا يوم أصبحنا على …