عُد إلى الجذور

الخوري أنطوان الدويهيّ –

الأول نيوز – ما أجمل تلك الأيَّام الخوالي، أيَّام الطفولة في قرية فقدتِ اليوم الكثير من روح البساطة والألفة، بل الروح القرويَّة ودخلت في عالم التمدُّن، كما هي حال معظم القرى!

كنت أستيقظ باكرًا لأذهب إلى الفرن المجاور لبيتنا لأشتري خبزًا طازجًا محمَّرًا ساخنًا، شهيَّ الرائحة والطعم، وكثيرًا ما آخذ معي قليلاً من الزعتر بالزيت ليخبز لي الفرَّان بعض “المنقوشات” اللذيذة.

وكنَّا نمضي، أخي وأنا وبعض أولاد الجيران، إلى الحقل المجاور نلعب “بالغمَّيضة” أو “بلعبة الحرب”، لا نخاف من الحيَّات أو من أيِّ حيوان أو حشرة مؤذية. وتأتي فترة بعد الظهر نجتمع، نحن الصبية، عند ساحة ترابيَّة لنقيم مباراة في كرة القدم ونعود بعدها إلى البيت للاستحمام. كنَّا نلتقي يوميًّا أيَّام العطلة الصيفيَّة أو في نهاية الأسبوع أيَّام الشتاء، لنلهو معًا ولا نفترق إلاَّ بعدما يأخذ منَّا التعب كلَّ مأخذ. وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما نجتمع أيَّام الأعياد فنلبس الثياب الجديدة ويتباهى كلُّ واحد على صاحبه بثوبه الأجمل…

وعندما تتلبَّد السماء بالغيوم منذرة بقدوم المطر، كنَّا نتحلَّق حول “المنقل” (للتدفئة) لنلعب بالألعاب الداخليَّة فيمضي الوقت ونحن في انسجام تامّ، فنتبارى بلعب الورق أو الزهر أو الطاولة…

لم نفترق يومًا حتَّى انتهينا من دروسنا المدرسيَّة وانتقلنا إلى الجامعة، فتفرَّق شملنا ومضى كلٌّ في طريقه، فما عدنا نجتمع إلاَّ في مناسبات قليلة خلال السنة، لاسيَّما المحزنة منها.

وكم كانت صدمتنا كبيرة عندما علمنا بموت رفيق لنا في دنيا الاغتراب فلم يكن في جنازته سوى أسرته المكوَّنة من زوجة وابنين. قرَّرنا، نحن الرفاق، أن نأتي من كلِّ حدبٍ وصوب إلى القرية لنقيم له جنَّازًا حافلاً.

وفي الليلة السابقة، مضيتُ إلى القرية، إلى بيتي الوالديّ، ولم يعد فيه سوى جدّي الطاعن في السنّ، أخبرته بخبر رفيقي وكيف كانت نهايته وحيدًا. فقال لي: “يا بُنيَّ، عُدْ إلى الجذور! لأنَّ الحياةَ دون الجذور موت”.

فقلتُ له: “ماذا تقصد يا جدّي؟” فأجابني: “دعني أُخبرك هذه القصَّة: كنتُ عائدًا من الحقل يومًا عندما استوقفني مشهد غريب للغاية: شاحنة محمَّلة بجذوع الشجر، متوقِّفة على جانب الطريق بعدما اصطدمت بشجرة مغروسة في الأرض. فتلك الجذوع المحمَّلة، بالرغم من كثرتها، لم تستطع إيقاف الشاحنة. فقط تلك الشجرة المتشبِّثة بجذورها استطاعت أن توقف الشاحنة. وأنت أيضًا، إن شئت أن تكون قويًّا عليك أن تكون كهذه الشجرة المتمسِّكة بجذورها. حافظ على مبادئك التي تعلَّمتها من بيتك وعلمك وإيمانك، كما وحافظ على أصولك من أهل ورفاق وأصحاب، فهي التي تجعلك تجابه المجتمع بل العالم كلَّه دون خوف من فشل أو حادث مؤسف.”

مهما تعلَّم الإنسان ونال الشهادات العالية تبقى الحياة مدرسة عظمى للإنسان، وتبقى للشيوخ حكمة تفوق حكمة الشبَّان.

في اليوم التالي، بعد الجنَّاز، تحلَّقنا، أنا والرفاق، في ساحة القرية الترابيَّة، ورحنا نستذكر الماضي وما فيه من أخبار وذكريات، مفرحة كانت أم محزنة، ثمَّ أخبرتهم قصَّة جدِّي. فقرَّرنا من ذلك اليوم أن نعود، مَن يستطيع، كلَّ نهاية أسبوع إلى القرية لنعيد صداقاتنا من جهة، ولنحيي قريتنا التي ربينا فيها…

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

جولة الظلم الأخيرة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب لا يذهب نتنياهو إلى واشنطن حاملًا مشروع …