العفو الأمريكي عن مجرمي الحرب دفن للعدالة وتفليت من  العقاب

الدكتور أيمن سلامة –

الأول نيوز – في قرار يعكس  الاستعلاء العنصري المقيت ، قام الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته  دونالد ترامب ، بإصدار عفو رئاسي لعدد من الأمريكيين ارتكببعضهم أشري جرائم القتل والتعذيب في العراق ، وهؤلاء ينتسبون لأحد شركات الأمن الخاصة الأمريكية التي ارتكبت بحق  الأبرياء العزل في العراق جرائم دولية جسيمة  لا تسقط بالتقادم و لا يجوز فيها العفو و تنعقد لدولة الإقليم  الذي ارتكبت فيه  هذه  الجرائم  الولاية  القضائية ، وعند وجود أي مانع قانوني أو واقعي يحول دون ذلك  فالدولة التي يحمل جنسيتها هؤلاء  المجرمون عليها واجب دولي بموجب العديد من المواثيق  الدولية لحقوق الإنسان فضلا عن تشريعاتها  الوطنية أو كتيباتها العسكرية مقاضاة هؤلاء منعا لإفلاتهم من  العقاب ، وزجرا لزملائهم حتي لا يخططوا أو يتآمروا علي ارتكاب جرائم مماثلة في  المستقبل .

كان منتسبي شركة بلاك وتر  الأمريكية  ضمن قافلة مدرعة أطلقت النار بشكل عشوائي بالرشاشات وقاذفات القنابل على حشد من الأشخاص العزل في العاصمة العراقية في 16 سبتمبر/أيلول عام 2007، وعُرفت إعلاميا باسم مذبحة” ساحة النسور” ، وفي عام 2014، أُدين  كل من سلاووليبرتيوهيرد بارتكاب 13 تهمة بالقتل العمد و17 تهمة بمحاولة القتل العمد، بينما أدين سلاتن، قناص الفريق الذي كان أول من أطلق النار، بجريمة قتل من الدرجة الأولى،  وحكم على سلاتن بالسجن مدى الحياة، وحكم على كل من سلو وليبرتي وهيرد بالسجن 30 عامًا.

كان ممثلو الادعاء  الأمريكي أكدوا  الادعاء أن قافلة “رافين 23” بلاك ووتر المدججة بالسلاح شنت هجوما غير مبرر باستخدام نيران القناصة والمدافع الرشاشة وقاذفات ، وقالت الحكومة الأميركية في مذكرة قُدمت بعد صدور الحكم، “لم يكن أي من الضحايا متمردا، ولم يشكل أي تهديد لقافلة ريفين 23”. كما تضمنت المذكرة اقتباسات من أقارب القتلى، بمن فيهم محمد الكناني الذي قُتل ابنه عليّ البالغ من العمر 9 سنوات. وقال الكناني “ذلك اليوم غيّر حياتي إلى الأبد.. لقد دمرني ذلك اليوم تماما”.

نقلت المذكرة أيضًا عن ديفيد بوسليجو، العقيد المتقاعد بالجيش الأميركي، الذي قال إن المذبحة كانت “استخدامًا مفرطًا للقوة” و”غير مناسب تمامًا لكيان وظيفته الوحيدة هي توفير الحماية الشخصية لشخص ما في عربة مصفحة ، ووصف محققو مكتب التحقيقات الفدرالي الذين زاروا الموقع في الأيام التالية الحادث بأنه “مذبحة ماي لاي في العراق” -في إشارة إلى المذبحة الشائنة للقرويين المدنيين على أيدي القوات الأميركية خلال حرب فيتنام- والتي أدين فيها جندي واحد فقط ، وعلى خلفية هذه الأحداث، طرد العراق شركة بلاك ووتر من البلاد آنذاك.

قانونا ، ينبغي علي الدول الأطراف أن تحاكم أو تسلم أو تتيح التسليم لغرض محاكمة الأفراد الموجودين في إقليمها والمتهمين بانتهاكات تشكل “مخالفات جسيمة” لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، فضلا عن مواثيق أخري عديدة لحقوق  الإنسان  ، وتتضمن كل واحدة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تعدادًا محددًا “للانتهاكات الجسيمة” التي تشكل جرائم حرب، وعلى الدول الأطراف التحقيق في الانتهاكات المدعى بها التي تشكل “انتهاكات جسيمة” ثم محاكمة أولئك الذين نسب إليهم ارتكاب هذه الجرائم أمام محاكمها المحلية، بغض النظر عن جنسياتهم، أو تسليمهم بغرض المحاكمة إلى دولة طرف أخرى معنية.

في ذات الوقت يحظر منح العفو أو أي شكل آخر من أشكال الإعفاء من العقاب على ارتكاب جرائم دولية ، حيث يتعين على أية دولة، إما محاكمة مواطنيها  الذين  ارتكبوا جرائم دولية  أو تسليمهم ،. كما أن منح العفو غير مناسب فيما يتعلق بجرائم الحرب الخطيرة والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي العرفي

إن الصلاحية التي تتمتع بها أية دولة لإصدار عفو أو أشكال أخرى للإعفاء من العقاب على ارتكاب جريمة يمكن أن يقيد بالمعاهدات التي تكون الدولة طرفًا فيها، وتنص المادة 27 من اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات على “عدم جواز احتكام طرف إلى نصوص قوانينه الداخلية كتبرير لعدم تنفيذ معاهدة”

وفيما يتعلق بالجرائم التي تجد أساسها في القانون الدولي العرفي، تعد مثل هذه التدابير المحلية للإعفاء من العقاب مخالفة للقانون الدولي العرفي فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية الدولية الفردية ،و منح العفو يتعارض مع الحقوق التي لا تمس والتي كفلتها اتفاقيات حقوق الإنسان العامة،  كما أن فكرة منح العفو عن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الخطيرة لا تتفق مع مبادئ المسئولية الجنائية الفردية المعترف بها في ميثاق وأحكام محكمة نورمبيرج.

 ويتمثل الغرض الأساسي من حظر العفو  في منع إعفاء الأشخاص المسئولين عن هذه الجرائم من العقوبة، بدءًا بأصغر جندي يتصرف بموجب أوامر رئيس له وحتى كبار المسئولين في الدولة، بمن فيهم الدبلوماسيون ورؤساء الدول،  وتوضح الممارسات الحديثة للدول الحدود العملية للإعفاء من العقاب أو للحصانة الرسمية، و على سبيل المثال، فقد صدر حكمان حديثان في الأرجنتين في عام 2001 يبطلان قوانين العفو الخاصة التي صدرت في الأرجنتين عام 1990 ،  وكانت هذه القوانين قد وضعت نهاية فعلية للمحاكمة التي أجرتها هذه الدولة في وقت سابق للقادة العسكريين الذين شاركوا في “الحرب القذرة”، ولكن اتضح أن هذه القوانين لا تتفق مع الدستور ولا مع التزامات الدولة طبقًا لمعايير حقوق الإنسان.

صوة  القول ، إن القرار المتقدم للرئيس الأمريكي يكشف عن  الانتهاك السافر و الازدراء الفاجر لحقوق الإنسان ، كما يسطع ببرهان راسخ أن الغرب لازال ينطلق مطلقا فاسدا يتأسس علي ”  الاستعلاء  العنصري ” والأخير جسده الرئيس الأمريكي ، بزعم أن أمته أو جنسه الذي ينتمي إليه هو  الأحسن و  الأكثر اتساقا مع الطبيعة ، وأن جميع  الآخرين يوزنون ويرتبون بعدهم .

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

جولة الظلم الأخيرة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب لا يذهب نتنياهو إلى واشنطن حاملًا مشروع …