الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – أقبل عيد رأس السنة الميلاديَّة حاملاً معه أثقال سنة محمَّلة بالوباء القاتل مع ما رافقه من حجر ووقايات وإصابات وموت. أقبل رأس السنة وفي العين دمعة، وفي القلب حزن على ضياع سنة من العمر حملت معها الهموم والتعب النفسيّ والابتعاد الاجتماعيّ القسريّ. أقبل رأس السنة ولا أيُّ شعور بالعيد. هو يوم كبقيَّة الأيَّام بل أسوأها!
وفي غروب ليلة رأس السنة، قبع رجل فقير في زاوية أحد الشوارع يستعطي الخبز قبل المال، وهو يرتجف بردًا بسبب أسماله البالية، يبيع أوراق يانصيب، وما زال بيده أربع منها يدعو الناس إلى شرائها، علَّه يفتتح السنة الجديدة بالخير والبركة.
ولكنَّ لا أحد يشتري منه ورقة، وإذا مرَّت السابعة مساء يخسر تلك الأوراق ويخسر ثمنها أيضًا. وفجأة لمعت في رأسه فكرة قام بتنفيذها فورًا.
قام من مكانه وتوجَّه إلى منزل أحد أصدقائه. قرع عليه الباب، ولمّا فتح صديقه الباب ورآه يحمل أوراق اليانصيب بيده بادره قائلاً:
– “لن أشتري منك ورقة يانصيب في ختام هذه السنة. أعرف حظّي سلفًا فهو لن يكون أفضل من السنة المنصرمة. فقدتُ عملي منذ شهرين وأنا قابع في البيت لا عمل لديَّ والديون تتآكلني.
– ما جئتُ أبيعك ورقة يانصيب، بل جئتُ أهبُكَ ورقة يانصيب بين هذه الأوراق الأربع كهديَّة لتبدأ سنتك الجديدة بأمل جديد.”
سحب الصديق ورقة يانصيب وشكر صديقه متمنّيًا له سنة جديدة مليئة بالتوفيق والنجاح.
انتقل الرجل إلى منزل إحدى قريباته، فقدت زوجها العريس منذ شهر بسبب وباء الكورونا. وكانت تعيش في جحيم الفراق. قدَّم لها ورقة يانصيب متمنّيًا لها سنة مباركة وتابع طريقه إلى منزل امرأة عجوز لطالما ساعدته في محنه. دقَّ جرس بابها وقدَّم لها ورقة يانصيب متمنّيًا لها عامًا سعيدًا وقفل راجعًا إلى بيته تاركًا لنفسه ورقة وحيدة يرى من خلالها حظَّه في السنة الآتية.
نظر في الثلاّجة فلم يجد شيئًا يأكله. مضى إلى شبّاك بيته وقعد يستمع عبر تلفزيون الجيران إلى المذيعة التي تعدِّد أرقام الرابحين الواحد بعد الآخر حسب السحب. ولمّا انتهت تمتم قائلاً: “كنتُ أعرف حظّي مسبقًا”. وقام إلى فراشه بعدما اغتسل. وما كاد يستلقي حتَّى قُرع جرس البيت. فقام وفتح الباب وإذا المرأة العجوز تدخل عليه حاملة في يدها صحنًا مليئًا بالأطعمة اللذيذة قائلة له: “ذكرتني بورقة يانصيب فذكرتك وقمت وأعددتُ لنا طعامًا. فهذه حصَّتك، أرجو أن تعجبك. بالمناسبة، لم تربح الورقة شيئًا لكنَّها حملت معها الفرح إلى قلبي في هذه الليلة المباركة، لأنَّني وحيدة في هذه الدنيا ولا أحد يذكرني”.
وما كاد الرجل ينتهي من تناول طعامه حتَّى قُرع الباب مرَّة ثانية. وكانت قريبته في الباب تحمل إليه كيسًا كبيرًا مليئًا بالثياب الجديدة. قالت له: “ما كنتُ أعرف ماذا أصنع بهذه الثياب، فزوجي – رحمه الله – لم يلبس منها قطعة واحدة، وهي تناسبك. أنتَ أحقُّ منها من غيرك. منذ فقدتُ زوجي الحبيب، فقدتُ معه كلَّ أمل بالحياة، ولكنَّك الليلة أعدتَ إليَّ الأمل بفجر جديد، وإن كنت لم أربح شيئًا من ورقة اليانصيب لكنَّني ربحتُ أملاً بحياة جديدة. ويعود الفضل إليك.”
وقبل أن تمضي المرأة، وصل صديق الرجل ينبئه بأنَّه ربح الجائزة الكبرى، ووعد الله إن ربح شيئًا، سوف يعطي صديقه عِشر المبلغ الذي يناله. وإذ ربح الجائزة الكبرى قرَّر أن يفتح متجرًا خاصًّا له. فأتى يخبره أنَّه كان السبب في تغيير مجرى حياته نحو الأحسن ووعده بإعطائه العِشر كما قال. والتفت إلى الأرملة فأعجبته. وقصَّ صديقه عليه قصَّتها، فتواعد معها على الغداء في اليوم التالي، يوم رأس السنة، ليفتحا معًا صفحة جديدة في حياتهما…