الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز عندما أستيقظ صباح كلِّ يوم أرفع الشكر إلى الله لأنَّه أعطاني يومًا جديدًا أستطيع من خلاله أن أمجِّده ولو بعمل صغير، سائلاً إيَّاه ألاَّ يمرَّ ذاك اليوم دون أن أكون قد قمت بعمل أُظهر فيه امتناني لهذا الإله الذي أحبَّني حبًّا فائقًا فخلقني وأرادني أن أعيش السعادة معه، في هذه الحياة وفي الآخرة.
وفي هذه الأيَّام العصيبة التي يمرُّ بها العالم أجمع بسبب جائحة كورونا، أفتح صفحة “الفايسبوك” خاصَّتي، فأرى – بشكل بارز – أوراق نعاوٍ لأشخاص كثيرين أعرف بعضهم، معظمهم مات بسبب هذه الجائحة. كما أقرأ طلب صلوات لآخرين أصيبوا بهذا الوباء المستشري، آملين الشفاء والنجاة منه. أخبار كثيرة تدمي القلب قبل العين. هوذا شابٌّ تخرَّج مؤخَّرًا من الجامعة لم يمهله الوباء ليفرح بنجاحه. وهوذا آخر سقط صريعًا وهو يستعدُّ للزواج. وهناك عروس لاقت مصيرهما وهي حامل في شهرها الثالث… أمّا صور المصابين بهذا الوباء فحدِّث ولا حرج، من طفلة صغيرة لم تتعدَّ الثلاثة أشهر، بالرغم من أنَّ هذا الوباء لا يصيب الصغار إجمالاً، إلى كهل يصارع المرض والموت وفي أنفه وفمه وضعت آلة التنفُّس الاصطناعيَّة وهو في العناية الفائقة…
بينما كان “الفايسبوك” مصدر تسلية وترفيه عن النفْس، أضحى مصدر شؤم وبؤس ونقل أحزان بعضنا إلى بعضنا البعض، وتلقّي التعازي بعضنا من بعض. صور قاتمة لوجوه تغيب، تمرُّ أمامنا ولا نجد كلمة معزِّية سوى هاتين الكلمتين: “ليرحمه الله”، أو “ليشفه الله” تتردَّد كتابة تعليقًا على غياب عزيز أو صديق، أو بسبب إصابتهما بهذا الوباء المنتشر. ولسان حالنا يردِّد: “تُرى، متى يأتي دورنا؟”
نتفاجأ ونتأثَّر صحيح، لكنَّ مفاجأتنا وتأثُّرنا لا يلبثان أن يخبوَا ويختفيا ليحلَّ محلَّهما شعور بالأسف على غيابٍ لا عودة منه وفراق لا رجوع فيه، وشعور بالأمل بشفاء أشخاص – نعرفهم أو لا نعرفهم – لا نتمنَّى لهم سوى الصحَّة والحياة المديدة.
وبينما أقلب يومًا صفحات “الفايسبوك” لفتني منظر غريب، يحتوي على صور أربع، أوقفني عن متابعة البحث، وجعلني أتأمَّل كثيرًا ثمَّ أخرج من صفحتي وأنا في تعزية كبيرة. صور أربع قلبت تفكيري وأعادت إليَّ الأمل من جديد بغدٍ أفضل، ويوم مشرق بعد ليل عاصف. “فلا بدَّ لليل أن ينجلي، ولا بدَّ للقيد أن ينكسر”.
الصورة الأولى: عشبة خضراء، تفتَّحت زهرتان فيها تحملان لونًا زاهيًا جميلاً، خارجة من شقٍّ في حائط من باطون لا روح فيه.
الصورة الثانية: شجرة مورقة ترتفع نحو العلاء، وهي منبثقة من بطن صخرة ضخمة وسط حقل من الصخور الناتئة لا حياة فيه سوى تلك الشجرة.
الصورة الثالثة: بيتٌ صغير جميل مبنيٌّ فوق صخرة شامخة لا يمكن الوصول إليه إلاَّ عبر حبل ممدود منه نحو الأسفل.
الصورة الرابعة: رجل فقير لا تغطي عورته سوى أسمال بالية، وسط صحراء رمليَّة، يحمل سبحته رافعًا عينيه نحو العلاء يصلّي لربِّه ووجهه يطفح بِشرًا وسرورًا…