الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – سمعت جرس الدير يُقرع ففتحت الباب. رجل لم يتجاوز الأربعين من العمر، أسمر اللون، ذو شعر طويل متدلٍّ على كتفيه، ولحيته قصيرة. يتجلبب بعباءة بيضاء تمتدُّ على كامل جسمه حتَّى تكاد تلامس الأرض، حافي القدمين، والتعب بادٍ على محيّاه. ابتسم لي ابتسامة ساحرة وقال:
– “هوذا البيت العاشر الذي أقرع بابه. لم يستقبلني أحد. لا أحمل فضَّة ولا ذهبًا، ولا أيَّ نوع من العملات. أأجد عندك مكانًا للنوم؟
نظرتُ إليه متأمِّلاً به. ثيابه نظيفة بل ناصعة البياض كالثلج تفوح منها رائحة أزكى من الورد. دعوته للقعود في الباحة الداخليَّة للدير. فدخل وقعد. بعدما قدَّمتُ له قدحًا من الشاي، سألته:
– من أنت ومن أين أقبلت؟
– أنا آتٍ من مكان بعيد، يمكنك أن تقول إنَّني حاجٌّ بل مسافر على دروب العالم.
– غريب أمرك! كيف وصلت إلى هنا؟
– قيل لي إنَّ القدس هي مدينة مقدَّسة، جئتُ أتفقَّدها وأتعرَّف إلى ساكنيها. فالأرض تتقدَّس بأهلها.
– وماذا اكتشفت؟
– دخلتُ قبر الملك داود لأصلِّي، فوجدتُ اليهود يرقصون كالمجانين ويظنُّون أنفسهم أنَّهم بهذيذهم يبلغون الاتِّحاد بإلههم. ثمَّ دخلتُ كنيسةَ القيامة لأتبارك بقبر المسيح، فوجدتُ الرهبان الكاثوليك يتصارعون مع الأرثوذكس. ولمحتُ قبَّة الصخرة من بعيد فتوجَّهت إلى مسجد الأقصى لأصلّي هناك، فمُنعتُ من الدخول. وأخيرًا توجَّهتُ إلى كنيسة قبر العذراء مريم فرأيتُ كهنة الكنائس الأرثوذكسيَّة يتسابقون في الصلاة ورفع الصوت ليطغى صوت واحدهم على صوت الآخرين.
– إذن، ألم تجد مكانًا ترتاح فيه؟
– تحوَّلت الأديرة هنا إلى فنادق، والمساجد تُقفل ليلاً، وكذلك أماكن العبادة اليهوديَّة تُقفل أبوابها عند السابعة مساءً. وكلٌّ لديه حيٌّ قائم بذاته. فلم أجد مكانًا أُسند إليه رأسي. ورأيتُني أقرع الباب تلو الباب حتَّى وصلت أمام باب هذا الدير فطرقته ووجدتُني أتحدَّث معك. تعجَّبتُ كثيرًا لأنَّ الناس ما زالت تعتبر هذه المدينة “مقدَّسة”!
– هي مقدَّسة لأنَّ مرَّ بها كثير من الأنبياء والقدّيسين، وهي مقدَّسة…
– أما زال هناك أنبياء وقدّيسون فيها؟
احترتُ من سؤاله ولم أجد له جوابًا. ماذا أقول له؟
– أتى الأنبياء والقدّيسون يحملون السلام والوئام، يحملون المحبَّة والأُلفة والتفاهم والعيش الهنيء. أتوا يحملون كلام الله الذي يدعو إلى المصالحة والغفران، إلى الانفتاح وقبول الآخر. أتوا يبشِّرون بأنَّ جميع الناس إخوة، وأنَّ خالقهم واحد، وأنَّ الدين الوحيد هو دين المحبَّة والتضحية وبذل الذات في سبيل الآخرين دون تمييز في العرق أو الدين أو اللون أو الوطن أو اللغة. وماتوا في سبيل تحقيق العدالة والمساواة والترفُّع عن الحقد والمخاصمة والتقاتل. أتُرى ساكني هذه المدينة يعيشون هذه المبادئ؟…
لم يكن في الدير غرفة خاوية فقدَّمتُ له غرفتي الخاصَّة بكلِّ طيبة خاطر. وأمضيتُ الليل أصلّي وأتأمَّلُ بكلامه الغريب، الذي هزَّني في الصميم. فكلامه مقنع وصادق وصحيح.
وفي صباح اليوم التالي، توجَّهتُ إلى الغرفة وطرقتُ الباب مرَّات عديدة فلم أسمع جوابًا. دخلتُ الغرفة فوجدتها مرتَّبة كما كانت عندما سلَّمته إيَّاها، إنَّما تفوح منها رائحته الزكيَّة. أمّا هو فلم أجده…