حتى لا نقف عند التهليل بالإصلاح السياسي!

أسامة الرنتيسي –

الأول نيوز – ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها جلالة الملك عن الإصلاح السياسي، فقضايا الإصلاح السياسي في الأردن لم تخل منها يوما كُتب التكليف السامية، ولا من برامج الحكومات المتعاقبة، لكنّ مسار الإصلاح السياسي في الأردن دائما يتأرجح بين “خطوة للأمام وعشرة للخلف”.
منذ سنوات وروافع الإصلاح السياسي مركونة على الرف، وهناك غلبة لتيار يرى أن الوقت غير مناسب للإصلاح السياسي وفيه خطورة على الدولة، لهذا أتمنى أن يُتَرجَم التوجيه المَلِكِي إلى حقائق على الأرض، وألّا نكتفي بالترحيب والتهليل، وعند ذلك يتوقف الفعل.
للأسف؛ الذين صمتوا طوال الفترة الماضية عن دعم قضايا الإصلاح السياسي وكانوا في موقع صنع القرار، هم اليوم الذين يهللون لتعزيز الإصلاح السياسي.
تجديد القوانين الناظمة للحياة السياسية كالانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية، ضرورة ملحة، يحتاج إلى جهد حقيقي وقناعة راسخة بأن الإرادة السياسية راغبة في تحقيق هذا الإصلاح، الذي من دونه سنبقى ندور في الدائرة ذاتها.
الأردن في حالة تمكنه من إنجاز إصلاح سياسي بنجاح وبصورة متوازنة، فهو يتمتع بأوضاع جيدة من الاستقرار الأمني والوحدة الوطنية والعقلانية والنضج السياسي، ويتوفر لديه الكثير من التجارب والمؤسسات والبيئات اللازمة لنجاح الإصلاح السياسي.

لكن؛ برغم ما بُذل من جهود في السنوات الأخيرة للسير قُدما بالإصلاح السياسي إلا أن نتائج التفاعل بين توزيعات وهياكل وآليات وقوى الحكم والتأثير في الأردن مع مجمل التطورات المحلية والإقليمية والعالمية الكثيرة، ومع إرادات القوى الشعبية، لم تثمر حتى اليوم أية نقلة نوعية في هذا الاتجاه.
في ضوء معاني الإصلاح، وحتى نكون موضوعيين؛ هل نستطيع أن نقول إن لدينا إصلاحا سياسيا في الأردن، أم مازلنا نتلمس طريقنا نحوه؟ يمكن القول إننا بدأنا خطوات أولية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وسرعان ما توقفت، ثم تراجعت مسيرتنا في مختلف المجالات: الحريات العامة، الممارسة الديمقراطية، الصحافة والإعلام، العلاقة مع الأحزاب والمؤسسات الأهلية ودورها، الاقتصاد والإدارة العامة وفعاليتها، وفي الوحدة الوطنية وقيم المجتمع، وفي مستوى المعيشة، وفي علاقاتنا العربية، كما أصبحت معاهدة وادي عربة أحد نواظم الحياة العامة في مختلف المجالات، وأصبحت استحقاقاتها تتحكم بمفاصل علاقاتنا الداخلية والخارجية.
بوضوح أكثر، وخلافا لما يعتقده بعضهم، فإن تحديات الأردن المستقبلية المؤثرة في جهود الإصلاح الديمقراطي، أو بلغة أبسط وأدق، معوقات عملية الإصلاح الديمقراطي في الأردن هي في الأساس تحديات ومعوقات داخلية، تنبع من داخل المجتمع الأردني، أما العوامل الخارجية، بما فيها البعدان الإقليمي والدُّولي، فأثرها ثانوي موازنة بالعوامل الداخلية.

نحن أمام قضية مركزية عنوانها الإصلاح السياسي، وما تعنيه هذه القضية من منظومة شاملة ذات بعد سياسي وثقافي وتربوي وقانوني ودستوري، فالإصلاح السياسي لا يمكن اختزاله بخطوة في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو مرتبط أولا بإرادة سياسية مؤمنة إيمانا حقيقيا بالإصلاح، وثانيا بمنظومة قوانين عصرية للانتخاب وللأحزاب وللحريات العامة.
خط النار الذي يلف البلاد، وتداعيات أزمة الكورونا ينبغي ان لا يوقفا عجلة الإصلاح السياسي، لأنه طالما كانت الأجواء متناغمة بين الدولة والطموحات الشعبية، كانت المناعة أقوى لمواجهة أي تهديد خارجي.
الدايم الله….

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

أسامة الرنتيسي –     الأول نيوز – فعلا؛ العالم جُن، وأصبح تسيطر عليه التكنولوجيا …