إلى أين نحن ذاهبون ؟

 

الدكتور سهيل الصويص –

 

الأول نيوز – الظروف الحرجة التي تمر بها المملكة منذ سنة كاملة تعتبر كارثة وطنية بمعنى الكلمة لم تؤذ المنظومة الصحية والاقتصاد فقط بل دمرت نفسية المواطن الأردني الذي يعيش اليوم في دوامة من القلق والترقب والتساؤلات والشكوك .

منذ كارثة جابر في 8 اَب حيث أدى الإهمال والتقصير والتراخي الرقابي على حدود جابر ( حسب التعبير الرسمي )  إلى انتشار الفيروس في كافة مناطق المملكة وما تلاه من تطورات وبائية متعاقبة وفادحة وها نحن قد تخطينا في 8 اَذار 2021 حاجز الخمسة اَلاف ضحية نحن الذين كنا نفتخر بأننا لم نسجل سوى وفاة واحدة في 28 اَذار 2020 بل وكأن الأمر غدا طبيعياً أن تزف لنا نشرة السادسة هلاك ستون ضحية وكأنه خبر حادث تصادم على الطريق الصحراوي .

       صرخات المواطن الأردني في الجلسات ومواقع التواصل الاجتماعي تثير القشعريرة في النفوس وتجعله يرتعب من القادم الغامض وينام متخوفاً مما يحبكه له الفجر من مفاجاَت تفوق قسوة الكوابيس الذي تجثم فوق عقله وقلبه كل ليلة .

المواطن الأردني البسيط الذي لذغ في الصميم بداية عندما قالوا له نم مرتاح البال فبفضل جهودنا الفذة نشف الفيروس ومات لا يستوعب كيف أصبحنا على مشارف النصف مليون إصابة ؟

ومن ثم جاءت اللذغة الفاتكـة الأخرى عندما وعدوه بأن من يسهروا على صحته قد وفروا له ملايين الجرعات من المطاعيم وإذ بها تصريحات استعراضية بحتة وها نحن ندفع الثمن غاليـاً ونقف عزلاً أمام وباء خبيث يفتك بنا من دون رحمة .

لا تقلقوا أيها الأردنيون فنحن هنا حماة أرواحكم وصحتكم ولدينا ما يلزمكم من أسرة مستشفيات وإنعاش وأجهزة تنفس وها نحن نستيفظ بعد شهور من الانتظار وإذ بها رواية من ألف ليلة وليلة بل وأن مصطلح التخطيط لبناء مستشفيات ميدانية لم نسمع به سوى في 4 أكتوبر 2020 غداة استقالة الحكومة السابقة وعلى لسان مدير مستشفى البشير ولم يسبق لنا خلال سبعة أشهر من الجائحة أن سمعنا به ولو همساً .

      لم نعد اليوم وبعد عام من الكارثة على مفترق طرق بل وبين يدي المجهول  وكيف لا وقد غدونا قبل أيام قليلة أول بلد في الكون بنسبة الإصابات مقارنة بعدد السكان .

نحن أمام مشهد تحكمه لغتان متنافضتان ، لغة الأرقام المحبطة الكئيبة ولغة التصريحات الضبابية. سجل الأردن في الأيام العشرة الأولى من شهر اّذار 57698 إصابة جديدة و 405 وفاة ، وفي الأيام العشرة الأولى من شباط كان لدينا 13322 إصابة و 95 وفاة بينما في الأيام العشرة الأولى من يناير لم نسجل سوى 12715 إصابة و 190 وفاة .

المواطن الأردني يفتقر لمن يطمئنه رغم المشهد الحالك ، لمن يوصل له الحقيقة، لمن يعلمه عن الغد بشفافية ، لمن يتعامل معه بمصداقية ، لمن ينبذ العبارات الضبابية ، لمن لا يخبيء عنه الاحتمالات رغم قسوتها ، لمن يتوقف عن تحميله بمفرده مسؤولية تردي الوضع الوبائي ، لمن يعامله كشريك ، لمن يتوقف عن إطلاق التهديدات له بعواقب وخيمة كل يوم ، لمن يتعامل مع الكارثة ضمن خطة وطنية واستراتيجية علمية لا يستطيع أحداً الجزم بأننا نملكها .

على مدى الأيام العشرة الأخيرة تعلمنا الأرقام الرسمية بحدوث أربع إصابات جديدة في الدقيقة الواحد وخمسة وفيات جديدة كل 3 ساعات وامام البلبلة والخوف من القادم والبحث عن نسمة من الطمأنينة والأمل يأتيك من يستخف بعقولنا ويعاملنا كأميين ليقول لنا بأن الوضع الوبائي مستقر ومطمئن طالما أن نسبة الفحوص الإيجابية لم تتجاوز 13.4% طوال أسبوع أي قرابة ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي فهل تعتقدون بربكم بأنكم بتصريحات سطحية كهذه ستعيدوا الحياة للغاليين الذين فقدناهم وتزرعوا الأمل والثقة في قلوب الأردنيين ويا ريتكم وأنتم محترفي لغة الأرقام تتذكرون فقط بأن متوسط الإصابات الإيجابية لم يتجاوز 5.24% طوال الأسبوع الأول من شباط .

نحن بحاجة لمساعدة الأردني لاستعادة الثقة بمسؤولي الصحة وإجراءاتهم وعلى هؤلاء العمل بصمت لتحسين الوضع الحالي المرعب ورسم خارطة مطمئنة للمستقبل وكيف الوصول لذلك وقد غلبت عليهم ظاهرة النجومية .

مصدر إنعدام ثقة المواطن يتمثل بالتأكيد بحجم الكارثة الوبائية الذي يتفاقم وهو لا يعلم إن كنّا نملك حقاً استراتيجية علمية واقعية للحد من العواقب لكنهً يعود أيضاً لتعدد المرجعيات والتصريحات ويجب على وزيرنا الكريم وقف هذه الفوضى للمعجبين بتسريحتهم ووسامتهم على شاشات التلفزيون .

قولوا الحقيقة للأردني فهو ليس بالمعقد بل غدا يتوقع ويتقبل كافة الاحتمالات وإن عاملتموه كمواطن واع سيكون لكم خير المعين وكما من واجبه الالتزام بقواعد الحيطة والحماية عليكم الالتزام بالوعود وعلاج عواقب الكارثة بالعمل على توفير المطاعيم الكافية للأردنيين .

      نحن نشعر بمدى الإحباط لدى الإدارة الصحية الحالية وقد وجدت نفسها أمام بضعة كراتين من المطاعيم وقد كانت تتوقع ملايين الجرعات ونعلم مدى صعوبة الحصول على كميات كافية حالياً لكن سياسة تعدد المصادر التي اتبعتها لا يدعها تقنع الأردنيين لماذا هذا البطء والتأخير في الحصول على ما يلزمهم وخصوصاً أننا لسنا بحاجة لعدة ملايين من الجرعات في الوقت الحاضر . أكثر من نصف سكان الأردن أعمارهم تحت سن ال 25 ( 5.858.780 أردني ) ولا يحتاجوا نظرياً لتطعيم ، وإذا صحت أرقام خبراء مرموقين في عالم الفيروسات بأن نسبة الأردنيين الذين أصيبوا حقاً بالكورونا 7-8 أضعاف الإصابات المعلنة مما يعني بأن أكثر من ثلاثة ملايين أردني لا يحتاجون لتلقي المطعوم في الوقت الحاضر . ماذا تبقى إذن وليس لدينا حسب أحصائبات 2020 سوى  398690 أردني فوق سن ال 65 بحاجة لتطعيم في المرحلة الأولى وإذا وسعنا الشريحة لمن أعمارهم فوق الستين فسيصل التعداد ل 588100 أردني وإذا حسبنا الطواقم الطبية والتمريضية وحذفنا من تم تطعيمهم منذ 12 يناير فنحن لا نحتاج حالياً لأكثر من مليون و نصف جرعة أي 16% فقط من مجموع المطاعيم التي وصلت لإسرائيل دفعة واحدة فإسرائيل حسب تسريبات الصحافة الاسرائيلية عرفت كيف تتصرف منذ البداية فدفعت ثمن الجرعة الواحدة من مطعوم فايزر 23 يورو بينما باعت الشركة المصنعة الجرعة الواحدة للاتحاد الأوروبي ب 12 يورو .

المرض يواصل مسيرة الفتك بالأردنيين وبقسوة والأردنيون بدأوا يشعرون مع تأخير طويل بحجم الكارثة فازدادت نسبة من يحترموا قواعد الحماية والتباعد فالكرة الاَن في ملعب وزارتنا الكريمة لتجتهد بعزم للحصول على المطاعيم الكافية الوحيدة الكفيلة بردع هذا الفيروس اللعين مهما كانت الوسائل سواءً عبر القطاع الخاص أو السوق السوداء فالمهم في النهاية تبقى صحة ومصلحة الأردنيين .

وبانتظار وصول الإنقاذ عاملوا الأردني بموضوعية وبساطة وشفافية وأوقفوا حملات الاستخفاف التي يتقنها العديدون عبر وسائل الإعلام وأوقفوا بعض نجوم الاستعراض عن مواصلة مسيرتهم التي تفقد المواطن الأمل والثقة بالغد وعندها سيكون لديكم خير حليف للتصدي للوباء الخبيث والكفاح سوية لكبح جماح شراسة هذا العدو الغادر .

 

 

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

قطاع الإنشاءات في عين العاصفة … تحديات المرحلة واستراتيجيات المواجهة

الأول نيوز – شاكر خليف تشير المعطيات الحالية إلى أن التوترات الإقليمية، الناتجة عن التهديدات …