لا تدع الحيوان أكثر رأفة منك

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – ما كنتُ أطيق الحيوانات الأليفة في المنازل. فكلَّما رأيتُ كلبًا أو هرًّا يقشعرُّ له بدني تقزُّزًا واشمئزازًا. وفي إحدى المرَّات التقيتُ بصديق لي يتمشَّى مع كلبه. أظهرتُ له امتعاضي، فقال لي:

“اسمع هاتين القصَّتين وأعطني رأيك فيما سمعت. كنتُ يومًا متأخِّرًا على عملي. هرولتُ نحو السيَّارة ووضعتُ الأغراض في صندوقها وصعدتُ إليها لأسير، فإذا بكلبنا متمدِّد أمام السيَّارة دون حراك. أدرت محرِّك السيَّارة وأطلقتُ الزمُّور علَّه يقوم من مكانه، لكنَّه نظر إليَّ ولم يتحرَّك بل راح ينبح نباحًا متقطّعًا. ترجَّلتُ من السيَّارة وأنا مستعدٌّ أن أضربه، ولكن فجأة رأيتُ ابن الجيران مختبئًا عند مقدِّمة السيَّارة وله من العمر سنتان يلعب “الغمّيضة” مع أخته التي تكبره بسنة، غير مكترث بهدير السيَّارة ولا بالزمُّور الذي أُطلقه. وما إن حملتُ الصبيَّ حتَّى قفز الكلب من مكانه واقترب منّي، فربَّتُّ على رأسه بعطف وشكرته على إنقاذه ابن الجيران.

“مرَّة أخرى، بينما كان الكلب يسير على الطريق، سمع صوت جارتنا تصرخ مستغيثة ولا أحد يسمع صوتها. أسرع إلى البيت، وإذ وجدني أخذ يعوي بطريقة متواترة وراح يعدو صوب الباب، وإذ وجدني لم أقف، عاد إليَّ وراح يعوي مجدَّدًا، وكأنَّه يدعوني لتتبُّعه. فقمتُ ورحتُ وراءه، فوقف عند باب مطبخ الجارة، ففتحتُ له الباب فأسرع وهو ما زال يدور صوبي ويعوي لأتبعه. دخلتُ البيت ورأيتُ جارتنا ملقاة على الأرض وهي مغميٌّ عليها. استدعيتُ سيَّارة الإسعاف. وبعد أسبوع، عادت إلى البيت بعدما مرَّت بجرحات قلبيَّة كادت تودي بحياتها لو لم نصل إليها في الوقت المناسب. أرأيتَ أهمّيَّة الحيوانات الأليفة في البيت؟

“كم من حوادث يتعرَّض إليها الإنسان، يكون فيها الحيوان سبب نجاته؟ فلو لم يكن الكلب موجودًا لكنتُ دعستُ ابنَ الجيران وتسبَّبتُ بإصابته بأضرار جسيمة إن لم يكن أصيب بما هو أعظم. ولولا وجود كلبنا لكانت جارتنا لاقت حتفها ولم يعرف بها أحد حتَّى بعد أيَّام عديدة.”

ما زلتُ أذكر إحدى أقاربي، وُجدت جثَّة هامدة بعد يومين من وفاتها، تركت فراشها وتوجَّهت صوب هاتفها تحاول أن تتَّصل بأحد لتنجو بحياتها، بعد تعرُّضها لجرحة قلبيَّة حادَّة.

بالرغم من التطوُّر التكنولوجيّ، ما زال إنسان اليوم يحتاج إلى رفيق له في درب الحياة، وإن تكلَّمنا عن الكتاب خير صديق، أو وسائل التواصل الاجتماعيّ على أنواعها، يبقى الشخص الحيّ، إنسانًا كان أم حيوانًا، ضرورة في وقت الشدَّة والضيق.

ما زلتُ حتَّى الساعة لا أحبِّذ وجود الحيوانات الأليفة في البيوت؛ لكنَّ عصرنا الذي بات الكثيرون فيه يعيشون أفرادًا لوحدهم، فلا بدَّ من مؤنس يرافقهم في حياتهم، لاسيَّما العجزة منهم، بعدما تخلَّى عنهم أولادهم أو أنسباؤهم. بالنسبة إليَّ، ما زال الإنسان القريب أو الصديق أو الرفيق هو المؤنس الأغلى.

فيا مَن ترك أبًا أو أمًّا أو جدًّا أو جدَّة أو نسيبًا يعيش لوحده، لا تدعِ الحيوان أكثر رأفة منك!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

تاريخنا بين السياسي المستثمر والمثقف المقاول

الأول نيوز – د. حسين سالم السرحان أنا مُصاب بالقلق الشديد مما يجري في بلدنا …