الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – لا أعرف إذا وجب عليَّ أن أبكي أو أضحك على نفسي. لأوَّل مرَّة في حياتي ينتابني هذا الشعور المزدوج. ما زلتُ متحيِّرًا ولا أجد تعليلاً لذلك. فما القصَّة؟
بعد إحدى الندوات في معرض للكتاب العربيّ، تعرَّفتُ إلى كاتب من بلد عربيّ، أهداني كتابًا له يحمل عنوانًا ملفتًا. وبما أنَّني أهوى القراءة كثيرًا، بدأتُ في الليلة ذاتها، قراءة الكتاب. أمضيتُ زهاء ساعتين أقرأ وأقرأ وأنا لا أفهم ماذا يريد الكاتب أن يوصله من خلال كتابه. وبما أنَّني لم أعتد قراءة كتاب دون الانتهاء منه، تابعتُ القراءة حتَّى نهايته. طويتُ الكتاب ووضعتُه بتأنٍّ على طاولة قرب السرير. ورحتُ أفكِّر ماذا فعلت؟ وأنا أحاول أن أستعيد الأفكار الواردة في النصّ فلم أهتدِ إلى الهدف الذي من أجله دوِّن الكتاب. وفجأة، تذكَّرتُ أنّنا تواعدنا، الكاتب وأنا، على اللقاء في الغد بعد الظهر في معرض الكتاب ذاته ليعرف رأيي بالكتاب. ماذا أفعل؟ أأعيد قراءته مرَّة ثانية علَّني أفقه شيئًا؟ هل أحاول أن أحفظ بعض الجمل أردِّدها أمام الكاتب؟ في النهاية قرَّرتُ أن أكون صريحًا – كما هي عادتي – مع الكاتب وأقول له الحقيقة، مهما كانت قاسية.
في الغد، التقيت بالكاتب فأسرع وسألني: “هل قرأتَ الكتاب؟” فأجبتُه:
- نعم، قرأته كلَّه.
- هل أعجبك؟
- لم أفهم منه شيئًا.
- أعرف. شكرًا على صراحتك. علمتُ أنَّك تحبُّ القراءة كثيرًا. وعرفتُ أنَّك من بين الكثيرين الذين يقرأون الكتاب حتَّى نهايته رغم “تفاهته” ورغم “غبائي”. هو محاولة أولى، أردتُ من خلالها أن أختبر ردَّة فعل الناس عندما يقرأون كتابًا لا يفقهون منه شيئًا.
- ألا يضرُّ هذا بك؟ فأنت كاتب معروف، ولا بدَّ أن يؤثِّر هذا الكتاب سلبيًّا على قرَّائك.
- لا أظنُّ، فلديَّ ما يفوق الخمسين كتابًا. ونلتُ ثلاث جوائز لأفضل كاتب خلال سنوات ثلاث متتالية. أتعرفُ ماذا فعلت؟ اجتزأتُ من كلِّ كتابٍ أجمل مقطع فيه، ونقلته كما هو، دون ترابط بين المقاطع. وطبعته، وفي النفْس غاية وحيدة: أن أجعل القارئ يُدرك تمامًا أنَّ جمال الكتاب في ترابطه وموضوعه الشائق، بالرغم من المقاطع الجميلة التي فيه.
- لكن، لن يُدرك هذا الأمرَ أحد من القرَّاء.
- لهذا السبب، أنا بذاتي أعطي الكتاب لمن أشاء، فالكتاب ليس معروضًا للبيع. وأنا مصرٌّ أن ألتقي مجدَّدًا بمن أعطيته إيَّاه.
- أتريد الصراحة؟ أنت جريء للغاية. بل يمكنني أن أقول إنَّك أجدتَ فيما فعلت.
- أنا كاتب مشهور، وكتبي تُباع في كلِّ الدول العربيَّة لنجاحها. ولكنَّ هذا الكتاب هو الوحيد الذي أعرف جميع مَن قرأوه وأعرف أكثر أنَّهم قرأوه بأكمله…
مساء ذلك اليوم، أمسكتُ الكتاب مجدَّدًا ورحتُ أقرأه من جديد، ولم أتركه حتَّى انتهيتُ منه، إذ رحتُ أتذوَّقُ كلَّ مقطع على حدة، فكلُّ مقطع تحفة بحدِّ ذاته.
وفي صباح اليوم التالي، توجَّهتُ إلى معرض الكتاب واشتريتُ مجموعة الكاتب كلَّها. فقال لي: “أنت هو الشخص السابع الذي يشتري منّي اليومَ المجموعة كلَّها…”.