أهل الحكم يخسرون… بالنقاط

د. سليمان صويص –

 

  الأول نيوز –  حتى لو لم يشارك في تحرّك 24 آذار رُبع الذين كان متوقعاً مشاركتهم، بسبب جائحة كورونا  والحشودات الأمنية الكثيفة، فإن الحراك الشعبي الموحّد حقق إنجازاً باهراً وسجّل نقاطاً سياسية مهمة في مرمى المعسكر الرافض للإصلاح السياسي للدولة.

 كيف ؟ يكفي استذكار حملات التجييش والتعبئة والتخويف المضلّلة التي انطلقت بعد الإعلان عن تحرك جماهيري سلمي يطالب بالإصلاح، حتى يُلاحظ القاصي والداني مدى الرعب الذي دبّ في أوصال أهل الحكم. وجاءت الطريقة التي تعاملت بها قوى الأمن، كمياً ونوعياً، مع ذلك التحرك لكي تؤكد ذلك الرعب المنفلت من عقاله. كشفَ ذلك كله لأوسع قطاع للرأي العام الأردني، دون أن يدرك متخذو القرارات ذلك، بأن المواطن الذي يُطالب بحقوقه وبمكافحة الفساد جدياً وليس لفظياً، ويريد التعبير عن نفسه بحرية غير مرغوب فيه، ويتم التعامل معه كعدو، حتى وإن أقسم أغلظ الإيمان لتأكيد حبه للوطن وإخلاصه للدولة والنظام ! أما المواطن الذي يقبل بالظلم وبإنتشار الفساد في بلده، وبالأوضاع السيئة ولا يحتج على عدم كفاءة المسؤولين، ويتخلى عن كرامته ويصفق لتصريحات المسؤولين فهو «المواطن الصالح» المرغوب فيه .. وهؤلاء ـ لحسن الحظ ـ يتضاءل عددهم مع مرور الأيام وتعمّق الوعي.

ما دام تحركٌ جماهيريٌ سلميٌ يطالبُ بالإصلاح السياسي يستدعي ، من وجهة نظر أهل الحكم ـ كل هذا الإستنفار والتحشيد والحرب الإعلامية.. فهذا يعني ببساطة بأن هذا الإصلاح هو ـ بالنسبة لأوسع القطاعات الشعبية الرازحة تحت أكوام الأزمات والمصائب ـ حتى قبل مجيء كورونا، يمثلُ حجر الزاوية في حياة تلك القطاعات ومستقبل البلاد، والهدف الأسمى الذي إذا ما تحقق سوف يكسر الآفاق المسدودة حالياً أمام تحسين معيشتها وحياتها وضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة. فأزمات البلاد تُختصر، مهما شرّقنا وغرّبنا، بأزمة نهج وطريقة حكم، وضرورة التخلّي عن السياسات المنبثقة عن ذلك. إن اللجوء إلى القمع الشديد في مواجهة تحرك سياسي جماهيري سلمي يعني بالدرجة الأولى إفلاساً سياسياً واضحاً وضوح الشمس.

إذا كان أهل الحكم لا يطيقون ولا يتحملون حراكاً سياسياً سلمياً لبضعة آلاف من المواطنين؛ وتسمح قوى الأمن ومن يقودها لأنفسهم أن يطاردوهم ويضربوهم وكأنهم مجرمين… فإن التساؤل يصبحُ مطروحاً بقوة : ماذا بقي من حرية التعبير والتجمع السلمي والتظاهر وغيرها من الحقوق التي كفلها الدستور الأردني بالرغم من كل المآخذ عليه؟ هل يجرؤ وزير الإعلام أو أي مسؤول في الحكم من التحدث بعد اليوم عن «الحريات العامة وحقوق الإنسان» في البلاد ؟.. والتي لم يتبق منها إلّا «حرية التصفيق والتسحيج»، بعد ان تم تكميم الأفواه وفرض السيطرة التامة على وسائل الإعلام، في زمن لم يعد فيه إمكانية لإخفاء حقائق أو منع الناس من الحديث بفضل تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل؟

المهمة الملحة اليوم هي الدفاع عن المعتقلين السياسيين وتأمين الإفراج عنهم وعدم نسيان التضحيات التي يقومون بها من أجل الشعب الأردني ومطالبه العادلة والمشروعة. إنهم منارات وطنية جديرة بالإحترام العميق. إن تنظيم أوسع حملة محلية وعربية وعالمية للمطالبة بالإفراج عنهم يجب أن تحظى بإهتمام جميع قوى المجتمع المنظمة التي تهمها قضية الحرية والديمقراطية.

أما 24 آذار 2021 الحدث، فسوف يستخلص الأردنيون دروساً غنية إضافية منه، وسوف يساهمُ في شحذ وعيهم السياسي الوطني ويساعدهم على التخلص من كثير من الأوهام التي علقت بهذا الوعي. عشر سنوات وأكثر من المطالبة السلمية بالإصلاح السياسي ولا تزال أوضاع  البلاد تزداد سوءاً بدون ان يرفّ جفن مسؤول، ولا يجد ما يواجه به هذه المطالبة إلّا الزج بالقوى الأمنية التي من المفترض أن تكون مهمتها درء المخاطر التي تهددُ أمن الوطن والمواطنين، وليس التصدي للحراكات الشعبية السلمية الحريصة على الوطن وحقوق المواطن.  24 آذار 2021 لم يكن مجرد مظاهرات في المدن الأردنية من العقبة إلى الرمثا.. ولن يُختزل بأعمال القمع والإعتقالات … إنه أعمق وأكبر من ذلك بكثير.. إنه بذرة أو خميرة جديدة زرعها الحراك الشعبي الموحد في الفضاء الوطني الأردني؛ سوف تنمو مع الأيام وسوف تتحول إلى نمط حياة لن يتخلى عنه الأردنيون حتى تحقيق أهدافهم الوطنية.. وسوف يدرك أهل الحكم، متأخرين، بأنهم يخسرون… بالنقاط..  

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

جولة الظلم الأخيرة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب لا يذهب نتنياهو إلى واشنطن حاملًا مشروع …