الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – أتاك من دون استئذان، ويصيبك من دون أن تعرف مصدره. بعضهم يتأثَّر به فيعاني الآلام وضيق التنفُّس وحتَّى الموت، بينما البعض الآخر لا يشعر بأدنى ضعف أو مرض أو وهن. هو الوباء الخفيُّ الذي ضرب العالم ولم يترك مكانًا في الأرض لم يزره. وبالرغم من ذلك تبقى هذه الجائحة غريبة عنك ومهما فعلت تظلُّ أرحم، أرحم ممَّن يعدُّ نفسه من طينة البشر.
يدفع ناسٌ أموالاً طائلة سعيًا وراء الوصول إلى منصب سياسيّ “رفيع” يجعلهم من أصحاب “الحصانة”، فيسرقون علانيَّة وبشرف، ويحكمون بالغشِّ. وبدل أن يكونوا خدَّام الناس يجعلونهم خدَّامًا لهم، وعوض أن يضحُّوا بوقتهم وفكرهم وعلمهم في سبيل وطنهم، يضحُّون بالوطن في سبيل مصالحهم الخاصَّة. والناس ينحنون أمامهم إجلالاً واحترامًا وينادونهم بأصحاب الجلالة والسموِّ، والرئاسة والمعالي، والسعادة والسيادة و…
يتجنَّب الناس أجمعون الوباء لأنَّه فتَّاك وقاتل أو يصيبهم بأمراض مختلفة، ويهرعون وراء أولئك الذين انتخبوهم مسؤولين عليهم، حتَّى أضحى قسمٌ كبيرٌ من أولئك المسؤولين يضاهي الوباء فتكًا وقتلاً ويصيبُ الناسَ بالفقر والعوز والحرمان والبطالة… وإن سألتَ أين هم هؤلاء السياسيُّون الفاسدون فأنت تجدُهم في معظم بلدان العالم، لاسيَّما في دول العالم الثالث. فالوباء أرحم منهم!
من ناحية أخرى، في بلد تتراكم الديون عليه كلبنانَ وفنزويلاّ وسواهما، نرى التجَّار يُسرعون إلى احتكار الموادِّ الأوَّليَّة لرفع أسعارها أمام الشعب الجائع والفقير، وتراهم يحلفون ويقسمون بأعزِّ ما لديهم أنَّ الموادَّ مقطوعة ولا استيراد لها من الخارج. فيزداد غنى هؤلاء وفقرُ أولئك. ألا يمسي الوباء أرحم منهم!
وإن التجأنا إلى بعض المؤسَّسات الاجتماعيَّة والخيريَّة التي تسعى جاهدة لتأمين الأموال للفقراء والمشرَّدين والمحتاجين والمعوزين، نجد الناشئة منها تُسرع إلى تلبية حاجة هؤلاء المحتاجين، وعندما يمرُّ الزمن على تأسيسها يبدأ بعضها بتقسيم الإعانات بين المحتاجين وبينها، إذ تجدها عملاً يدرُّ المال الوفير. وكم دُقَّ جرس التلفون أو الباب ويكون وراءهما “شحَّاذ” ينتمي إلى جمعيَّة وهميَّة تعمل لمدِّ يد المساعدة عبر الناس لأشخاص ذوي احتياجات “خاصَّة”، وإذا بنا نجد أنَّ هذا العمل يدرُّ على الجمعيَّة الوهميَّة أموالاً طائلة… فيبقى الوباء أرحم منها!
وإن نظرنا حولنا نرى شبَّانًا وشابَّات يتعاطَون المخدِّرات ومعظمهم وقعوا ضحيَّة “رفيق” أو “صديق” سوء تعرَّفوا عليه حديثًا وإذ يحاول أن يخرجهم من مشاكلهم الخاصَّة يورِّطهم في مشكلة أكبر لا بل مستعصية أحيانًا كثيرة. فمتى اعتاد الجسم على المخدِّرات أصبح من الصعب الخروج من تعاطيها. ويكون الذنب الأكبر على تاجر تلك المخدِّرات الذي فقد كلَّ حسٍّ إنسانيّ… ويبقى الوباء أرحم من هؤلاء التجّار والأصدقاء!
وإن ذهبنا إلى العلب الليليَّة المنتشرة بشكل خاصّ وكبير في المدن، نرى أنَّ القسم الأكبر من فتيات الهوى هنَّ ضحيَّة تعدٍّ أو اغتصاب أو اضطُررن إلى هذه الممارسة نتيجة حالة اجتماعيَّة قاسية أو مادّيَّة سيِّئة أو عائليَّة متفكِّكة… وبدل أن تلتجئ تلك الفتيات إلى حضن دافئ يقيها شرَّ المجتمع، تقع فريسة جشع بعض الذين نزعوا الضمير من عقولهم. ويبقى الوباء أرحم منهم!
ولا ننسى بعض “الجمعيَّات” التي تتجوَّل في الأحياء السكنيَّة لتسرق الأولاد الصغار بغية بيع أعضائهم بأموال طائلة، أو استغلالهم ليوزّعوهم على الطرقات للشحادة، فيعيش الأطفال الحرمان من العطف والحنان، ويقضي أهلهم بقيَّة حياتهم في الحزن والغمّ والتفتيش الدؤوب عليهم. فأصحاب تلك الجمعيَّات لا قلب لهم ولا ضمير. ويبقى الوباء أرحم منهم!
نعم، كم أنت رحوم يا أيُّها الوباء أمام قلوب بشر ليسوا بشرًا، وناسٍ فقدوا كلَّ حسٍّ إنسانيّ، ولم يعد بالإمكان عدِّهم من صنف البشر. وأخيرًا، للوباء دواء أو لقاح أمَّا هؤلاء فلا!