الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – أرادوا أن يهربوا من واقع الحياة المرَّة فوقعوا في مصيبة أكبر. فالأوَّل أدمن على معاقرة الخمرة حتَّى فقد رشده وراح يتصرَّف كالأبله ممّا أثار هزء الناس وسخريتهم. والثاني أدمن على تعاطي المخدِّرات فما عاد قادرًا على العيش بدونها وراح يطلبها بإلحاح كلَّ مرَّة صحا من تأثيرها، فاضطُرَّ إلى استقراض المال لتأمين حاجته إلى المخدِّرات. والثالث أدمن على لعب الميسر حتَّى فقد كلَّ ما يملك وأوجب عليه ديونًا لا تقدَّر، ولم يتوقَّف بل زاد في اللعب علَّه يردُّ خسارته التي راحت تزداد يومًا بعد يوم. وأمّا الرابع فأدمن على تعاطي الجنس حتَّى فقد صحَّته وأضحى يرتجف من شدَّة الضعف والهزال. والخامس أدمن على شرب القهوة حتَّى أخذت تؤثِّر على أعصابه وراح يرتجف مثل أوراق الشجر. والسادس أدمن على التدخين حتَّى كثرت الأمراض في جسمه…
إن درسنا حالات المجتمع نجد أنَّ جميع الناس يعانون من مشكلة ما في حياتهم. فلو استسلموا كلُّهم لليأس لأضحى العالم كلُّه مرتهنًا لإدمان معيَّن. كم من عامل يشتغل ليل نهار ليتقاضى معاشًا لا يسدُّ رمقه ورمق أسرته! وكم من موظَّف يخضع ساكتًا لتأنيب رؤسائه حفاظًا على وظيفته! وكم من امرأة تعاني من قساوة زوجها أو طباعه الحادَّة، إن لم نقل من الضرب والشتم والتعنيف! وكم من طفل يعيش الخوف من أب جائر أو من أصحاب مؤسَّسات تُعنى بالأطفال اليتامى وسواهم! كم من معوَّق يعيش حالة من الضعف والعجز يتمنَّى لو يتسنَّى له أن يكون صحيح الجسم! كم من فاقد حاسَّة من حواسِّه يتمنَّى أن يسمع أو يرى أو يتذوَّق ما يأكل ولو لساعة!
لكلِّ إنسان همومه ومشاكله ومتاعبه الحياتيَّة، ومن يستسلم هو الخاسر الأكبر، ومن يجاهد يحوز الغلبة في النهاية. والغلبة الأكبر هي على الذات التي تسعى دومًا إلى التحرُّر والانطلاق فلا تجد نفسها إلاَّ وقعت في أحضان مصيبة أكبر.
مثل ذلك مثل رجل فاقد القدمين، ينظر بحسرة إلى من له قدمين ويستطيع التنقُّل بحرّيَّة. وذاك بدوره ينظر بحسدٍ إلى من يركب الدرّاجة متنقِّلاً من مكان إلى آخر. وراكب الدرَّاجة يتمنَّى لو يمكنه أن يملك سيَّارة ليخفِّف عنه تحريك الدعسات فيمضي إلى أماكن أبعد. وسائق السيَّارة ينظر متحسِّرًا إلى المسافر عبر الطيَّارة إلى أماكن مختلفة…
فيا ليتهم ينظرون إلى الأمر بطريقة مختلفة: فالمسافر على متن الطائرة يشكر ربَّه أنَّه قادر على المضيّ إلى حيث يشاء. وسائق السيَّارة يشكر الربَّ أنَّه قادر أن يتنقَّل بشكل أسرع من راكب الدرَّاجة. وراكب الدرَّاجة يشكر ربَّه أنَّه يملك درَّاجة يستطيع التنقُّل بها، لا كذاك الذي يمضي إلى عمله على القدمين. وكامل الجسم يشكر ربَّه لأنَّه يستطيع التنقُّل بحرّيَّة لا كالمعوَّق. والمعوَّق يشكر ربَّه أنَّه ما زال حيًّا لا مثل ذاك الذي يُحمَل ميتًا إلى مثواه الأخير… فلو يقتنع كلُّ إنسان بما أعطاه الله من خصائص ونِعم ويرضى بها لتخطَّينا الإدمان وتخطَّى مجتمعنا آفات كثيرة تفتك به.