حيدر هادي الخفاجي –
الأول نيوز – ليس من الغريب الاستماع إلى المواطن العربي وهو يشكو من قمع السلطة الحاكمة له في كافة الدول العربية وان كانت بنسب متفاوتة ، ولكن ان يقمع المواطن السلطة فربما يكون امرا غريبا بعض الشيء!!!
لم يتعود المواطن العربي على التوسع او التعمق في عملية التفكير كحركة ايجابية هادمة وكاسرة لرتابة النمطي السائد في العقل الجمعي العربي فهذا النوع من التفكير يمثل فعلا تجاه السلطة في نفس الوقت الذي يمثل فيه ردة فعل تجاه قمع الانظمة العربية الحاكمة . حيث ان السلطة ككتلة سياسية نادرا ما تكون ردة فعلها ايجابية تجاه فعل التفكير الايجابي النابع من الفرد كوحدة بناء المجموع لان المواطن العربي يولد وهو داخل شكل رباعي الاضلاع ترسمه الانظمة الاستبدادية وتكون اضلاعه الاربعة هي الجهل والخوف والدين والتقاليد.
ان حركة عقل المواطن العربي هي حركة ( أميبية ) وهي جزئية وليست كلية لان المواطن العربي ( يولد في الدنيا مذعورا ويغادرها مذعورا ) كما يقول محمد الماغوط وذلك لان عملية التجهيل ( والتي هي الاتجاه المعاكس تماما للتنوير ) تمنع العقل الفردي من الخروج الى اي فضاء خارج الاطار المربع الذي صنعته الانظمة الحاكمة .
ان عملية قمع السلطة للمواطن العربي هي عملية ذات فعل ارتدادي فالعقل العربي يتحول من مستهلك الى منتج بمجرد استلامه للجرعة الاولى من القمع السلطوي ويبدأ بانتاج القمع المضاد فيبدأ بالتنظير وشرعنة قمع الانظمة الحاكمة بل ويبدأ المواطن العربي برفض اي جسم غريب ذي طبيعية تنويرية يدخل الى عقله ويخترق جدران الصندوق الذي يقبع بداخله والذي يحوله الى قنفذ او سلحفاة او اي حيوان بطيء لا يستطيع العيش خارج قشرة القمع السميكة .
ويتحول الدين الى ما يشبه ابر القنفذ او بصاق حيوان (اللاما ) الذي يبدأ (المقموع العربي) باشهاره تجاه اي محاولة للمساس بالجسم الاساسي للجزء التنويري من العقل وبذلك يتحول المواطن العربي الى اداة قمعية بيد النظام الذي حوله من كائن مسالم ايجابي قابل للتنوير الى كائن سلبي متوحش معتم العقل ينتج ويستهلك الجهل في نفس الوقت .
ويمثل الخوف بمختلف انواعه كالخوف من الاعتقال او الاغتيال او التعذيب والخوف من الجوع والخوف من الاهمال والتهميش وظيفيا ماكنة من مكائن انتاج القمع المضاد لقمع السلطة ويوفر الذرائع كمواد خام لمصنع انتاج هذا النوع من القمع بل ويسوقه الى من يعيش حوله كسلعة يومية لا يمكن الاستغناء عنها تحل محل رغيف الخبز اليومي .
وعند هذه المرحلة يكون العقل الفردي المعتم المتقوقع داخل الصندوق قد بدأ بعملية القمع المضاد لاي فعل من السلطة يخترق او يحاول ان يلمس الاطار الرباعي الاضلاع لان المواطن قد اصبح جزءً من النظام القمعي الفكري السلطوي ويمارس عليه نوعا من الترقب لا الرقابة خوف ان يتحول النظام الحاكم الى نظام ( متسامح ) لا ( قمعي) يزلزل الثوابت التي ارتكز عليها الاطار الرباعي الجديد للعقل الجمعي السلبي ، بل انه يتحول الى ( مبتكر ) لاشكال جديدة من القمع ( الثقافي ) بل ويصبح ( تبشيريا ) بالفكر القمعي السلطوي .
وهنا يبدأ العقل بالبحث عن امتدادات مكانية تبرر له الفعل السلبي لعملية انتاج القمع المضاد فيبدأ بالنكوص الى ما يعتبره تراثا من طقوس دينية وعادات في الملبس والسكن والتجمعات والتواصل الاجتماعي بمحيطه فتراه يفتخر بكل العلامات السطحية التي يعتقد بانها تشكل عملية التصاق بالتراث والفولكلور بينما هي مجرد تمظهرات شكلية يركن اليها لتسويق قمعه المنتج للمجتمع الذي يعيش فيه فيتحول الى ارتداء الزي العربي القديم ويضع دلال القهوة القديمة في وسط غرفة الضيوف وربما يصور نفسه مع ما يبدو كسيف عربي قديم تم استيراده من الصين لرخص ثمنه.
ان الانظمة القمعية في الوطن العربي لا تحتاج الى وضع خطط مستمرة إستراتيجية لصناعة القمع الفكري وحشره في مؤخرة العقل العربي لان المواطن العربي في حالة استعداد دائم للتحول الى سلعة وماكنة وسوق تقوم بكافة الادوار التي تتطلبها صناعة القمع العربي الفكري .