الدكتور أيمن سلامة –
الأول نيوز – ما فتئت إسرائيل تراوغ وتماطل في تنفيذ تعهداتها و التزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي الذي وَسَمها بسلطة الإحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 ، وجاوز الشطط الإسرائيلي كل مدي ، ووصل التبجح الإسرائيلي للزعم بعدم انطباق المواثيق الدولية للقانون الدولي الإنساني و التي تحمي المدنيين أثناء الإحتلال علي الأراضي الفلسطينية المحتلة .
صَدرت الاتفاقية الرابعة لجنيف وهي الإتفاقية المعنية بحماية الأشخاص المدنيين في عام 1949 ، وأصبحت مكملة للقسمين الثاني والثالث من اللائحة الملحقة باتفاقيتي لاهاي االصادرتين في عام 1899 وعام 1907 ، وهذه الحقيقة القانونية مهمة بمكان، حيث تُنبئ بجلاء عن الأساس القانوني الذي استمدت منه اتفاقية جنيف الرابعة و هو اتفاقيتي لاهاي الذي أجمع الفقه و القضاء الدوليين علي طبيعتهما العرفية ، ومن ثم إلزاميتهما لكافة الدول .
كان رد محكمة العدل الدولية في عام 2004 حاسماً ضد المزاعم االإسرائيلية غير المُؤسسة التي زعمت بعدم انطباق اتفاقية لاهاي واللائحة الملحقة بها علي الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث قررت المحكمة في رأيها الإستشاري بشأن الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة: “لاحظت المحكمة أن اسرائيل ليست طرفا في هذه الإتفاقية ولائحتها، غير أن الإتفاقية لم تكن سوي تسجيل للقوانين والأعراف التي كانت تطبقها الدول، أي أنها لم تتضمن أحكاما جديدة ابتدعتها، وانما سجلت الأعراف السائدة بين الدول، أما اللائحة فقد لاحظت المحكمة أن محكمة نورمبرج التي حاكمت القادة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية قد أعقبتها هي الأخري تسجيلا للأعراف السائدة أيضا، وبالتالي فإن الإتفاقية واللائحة تُكونان جزءا من القانون الدولي العرفي الذي يلزم الدول كلها من دون حاجة إلي أن تكون الدولة طرفا فيها .
لم تخرج محكمة العدل الدولية عن ذات المفهوم للاحتلال الحربي، بل أكدته في رأيها الإستشاري بشأن الفتوي السالف الإشارة إليها حول “الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة”، حيث أقرت “بموجب القانون الدولي العرفي، ظلت هذه الأراضي بناءً علي ذلك أراض محتلة وكان لإسرائيل فيها وضع السلطة القائمة بالاحتلال، ولم تعمل الأحداث اللاحقة في تلك الأراضي علي تغيير هذا الوضع وتستنتج المحكمة أن جميع هذه الأراضي (بما فيها القدس الشرقية) مازالت أرض محتلة وما زالت إسرائيل لها وضع السلطة القائمة بالاحتلال .
أصابت محكمة العدل الدولية في رأيها الإستشاري السالف الإشارة إليه حين رفضت كافة الدفوع الإسرائيلية بزعم عدم انطباق اتفاقية جنيف الرابعة علي الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أكدت المحكمة انطباق الاتفاقية وبغض النظر عن اعتراف أحد الأطراف المتحاربة بحالة الحرب، فوفق المحكمة فإن مجرد وقوع حرب أو اشتباك مسلح بين طرفي الإتفاقية يؤدي بذاته علي تطبيق أحكامها، ولم تر المحكمة أيضا داعيا لبحث موضوع السيادة علي الأرض ما دام أنه لا يؤثر في مجال تطبيق الإتفاقية “لا مرية أن عددا كبيرا من قواعد القانون الإنساني القابلة للتطبيق في النزاع المسلح هي أساسية بالنسبة لاحترام للإنسان و”الاعتبارات الإنسانية” على حد تعبير محكمة العدل في حكمها الصادر في 9 نيسان/أبريل 1949 في قضية قناة كورفو ( تقارير محكمة العدل الدولية 1949 ، ص 22) ، وإن اتفاقيات لاهاي وجنيف تتمتعان بانضمام واسع للدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة ، إضافة إلى ذلك فإنه يتعين على جميع الدول أن تلتزم بهذه القواعد الأساسية سواء كانت أو لم تكن قد صادقت على الاتفاقيات التي تتضمنها ، لأنها تشكل مبادئ القانون العرفي الدولي… وتشير هذه القواعد إلى التطبيق العادي وإلى السلوك المتوقع من هذه الدول “.
وهكذا فإن امتثال إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس عام 1949 ليس مبني على أساس اختياري لتفسيرات أحادية الجانب ، ولذلك فإن حصر الأنشطة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس عام 1949 وغيرها من أحكام القانون الدولي ذات الصلة ستشكل قائمة طويلة نظرا لأن إسرائيل انتهكت تقريبا كل حكم من أحكام اتفاقية جنيف الرابعة
وفضلا عن ذلك، فإنه بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في عام 1967 ،أصدرت السلطات الإسرائيلية الأمر رقم 3 الذي نص في مادته 35 على أنه: “يجب على المحكمة العسكرية أن تطبق أحكام اتفاقية جنيف الصادرة في أغسطس 1949 المتلعقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وذلك في ما يتعلق بالإجراءات القضائية، وفي حالة عدم تلاؤم هذا الأمر التشريعي مع أحكام الاتفاقية، فإن هذه الأخيرة هي التي تسبق “