نص ساخن لـ مكرم خٌوريْ – مَخّوُلْ: يـافـا… في ذاكرة اديبتها الراحلة: أنطوانيت خٌوريْ – مَخّوُلْ
الأول نيوز
6 أكتوبر، 2021
اخترنا لكم
409 زيارة
أ. د. مكرم خٌوريْ – مَخّوُلْ –
الأول نيوز – كتب الاستاذ الدكتور مكرم خٌوريْ – مَخّوُلْ الاكاديمي في كيمبريدج والناشط والاعلامي في الموضوع الفلسطيني نصا بمناسبة الذكرى الـ ٣٧ لوفاة والدته الاديبة الراحلة أنطوانيت خُوري – مَخُّول فيها قيمة خاصة للكاتب وفيها نكهة شخصية مقرونة بسياق قومي وطني اوسع…ننشرها للاهمية وسخونة النص والابعاد…
لم يكتب ويتغنى بيافا – عروس البحر وميناء الحمضيات فقط من طٌرِدَ وهُجّر من اهاليها، إلا انه تبلورت وعلى وجه الخصوص ومنذ النكبة، سردية تاريخية وادبية (شعرية ونثرية) لأهالي يافا المُهَجّرين إبان النكبة وتم نشر الجزء الاكبر منها في العالم العربي عبر العقود الماضية. وهي سردية شرعية متعددة الـ Genres – الاساليب الفنية – الأدبية تم نشرها نتيجة توفر وسائل الإنتاج والمؤسسات الفلسطينية المتعددة التي تبنتها مع ان البعض منها كان عبارة عن مبادرات شخصية.
وبما ان يافا كانت مركزا تجاريا وصرحا تعليميا وثقافيا وإعلاميا رياديا مكتظا ديمغرافيا، فإن تهجير الأغلبية الساحقة من أهلها (٧٠ ألف من يافا المدينة وحوالي ١٥٠ ألف في محافظة يافا وقراها الـ ٢٩) جعل أهالي يافا من أكبر، ولربما أكبر جالية فلسطينية في الشتات لغاية اليوم مما أدى الى نشر تجارب عديدة حول النكبة واللجوء والاغتراب.
الا ان هذه السردية الشرعية والمهمة المنشورة في العالم العربي للفئة التي عانت من التهجير القسري، قد هَمّشَت نوعا ما، وعن دون قصد، من تبقى في يافا من يافيين. وكانت احدى نتائج هذا النتاج السردي (الذي وجد فضاء واسعا في العالم العربي منذ النكبة) الانطباع أنه لم يتبق في يافا اي فلسطيني (وصحيح انه من بين هذا العدد الكبير نسبيا من الفلسطينيين اليافيين لم يبق في يافا الا ٣٥٠٠ فلسطينيا، أولئك الذين أطلقتُ عليهم تعريف “نُجاةُ النكبة”).
الا ان بعض من نجح في البقاء قد ساهم وفي مجالات متعددة وفي اقسى الظروف، مشَكّلا العامود الفقري لصون هوية وانتماء أهالي يافا في فلسطين وبأساليب متعددة، وبالتالي ساهموا بصمود الدائرة الاوسع (مع آخرين) وهي حوالي ٢٠٠ الف فلسطيني من “نُجاةُ النكبة” عام ١٩٤٨ في غرب فلسطين المحتل الذين تمت السيطرة عليهم والتنكيل بهم ليس فقط تحت احتلال وفرض “حالة الطوارئ” التي لا زالت تتجدد منذ النكبة ولغاية الآن وانما تحت “حكم عسكري” ولغاية (على الأقل رسميا) الأول من ديسمبر\كانون الأول ١٩٦٦.
ومن ابرز محاور سردية “الخارج” تبلور سردية الحنين بينما بقيت في الهامش سردية “الداخل” التي تعبر عن تجربة ومعاناة ومشاعر من بقي من “نُجاةُ النكبة” في يافا على وجه الخصوص. فقد اثمر النضال رغم الحصار والثبات رغم القمع والصمود والتضييق عبر العقود إذ تجاوز تعداد اليافيين في يافا في عام ٢٠٢١ العشرين الفا والفلسطينيين بشكل عام غرب فلسطين وصل الى نحو ٢ مليون نسمة.
وفي هذا السياق الاوسع الذي يهدف الى تسليط الضؤ على نشاط اجتماعي ثقافي لم ينل حقه الكافي ووجب ان يظهر لكي تكتمل الصورة بقسميها، وبمناسبة مرور ٣٧ عاما هذا الأسبوع على رحيل الكاتبة والاديبة الروائية الفلسطينية اليافيّة الطلائعية أنطوانيت اديب الخوري (18.03.1928) لاحقا أنطوانيت خٌوريْ – مَخّوُلْ، والتي كانت شخصية مميزة من “نُجاةُ النكبة” لم تنزح عن مسقط رأسها يافا إبان النكبة وحتى وفاتها في ((05.10.1984 والتي كانت قد انتجت ادبا روائيا نسويا مميزا ونثرا غزيرا ومتنوعا وبشكل مستقل بعيدا عن الحاضنة الحزبية (بالتحديد الحزب الشيوعي) او التبني الفصائلي (بالتحديد منظمة التحرير الفلسطينية)، نكشف هنا للقراء مادة ارشيفية فريدة ونقدية وسبّاقة عن ذكرياتها في يافا عندما كانت في العشرين ربيعا وننشرها هنا كما جاءت في النص الاصلي والذي كانت قد ألّفته في يافا بعد ثلاثة عقود من حصوله إبان النكبة، عام ١٩٧٨عندما كانت في الخمسين من عمرها تحت عنوان:
إنّ النّفوس فروع أجسام وما
تبديه من همم النفوس ثمارها
بقلم: أنطوانيت خٌوريْ – مَخّوُلْ
تركتْ الوطن سائبًا…… وها هي اليوم تتبجّح.. فرَّطتّ…. بيافا الغالية…… وتتباكى عليها !! مثلما تريد !!!! تتحدّث عن الوطنيّة…… وطعنتْ الوطنيّة في الصّميم !!
هي، وغيرها، المسؤولات، المسؤولون عن ضياع فلسطين .. فنكبة فلسطين، اشتركت فيها، بناتها وأبناؤها!! هي وغيرها، لم يدوسوا الموت بالموت، لتكتب لهم الحياة !!
ان أعظم شهادة، ينالها الإنسان أن يكون ذا وجود وطنيّ، وهذه الشّهادة كانت أيديهم خالية منها !!
نحن …. كُوينا بوطنيّتها…. ووطنيّة أمثالها المزيّفة !! لا …. لن أصدق كلماتها الطنّانة الرّنّانة !!
وعلى أيّ أساس أصدقها ؟؟ فأنا أعرفها جيدًا …. !! لذا ،، أرتاب من أمرها …. من أقوالها …… ولا يُلدغ المؤمن من جحر مرَّتين !! آمنّا ،، يومًا ،، بوطنيّتها ،، ودفع الوطن ثمن براءة جيلي، وجيل أمي !!
وشعرت …. أنّي أريد أن أموج في وجهها !! أن أصرخ …. مع أني كثيرًا ما أصمت ….
وشعرتُ بأنّي أكاد أتفجَّر …… فجراحاتي …. من أعماق آلامي …. أثارتني …. وهيَّجتني !!!!
وفقدتُ صبري …… وحملتُ قلمي …… وأجبرتني كلماتها على الرد ..
كان ذلك السّاعة الحادية عشرة ،، من هذه اللّيلة …. إذ أدنيتُ أذني من المذياع …. وإذا بها ،، راحت تتحدّث ،، من وراء مذياع إحدى الدّول العربيّة !! وسيلة جديدة …. من وسائل الخداع ،، والتّلاعب بالعواطف !!
وقرّرتُ أن أترفقَ بأذني من سماعها …. ولكنّي عُدتُ ،، وأدرتُ النور …. وصبرتُ صبر أيوب !!
ترى مَن هذه ؟؟ تُرى من تكون ؟؟ هذا الصّوت سمعتُهُ …. من قبل …. أنا اعرف أعرف صاحبة هذا الصوت !!
أخيراً ،، أعلن المذيع …. عن اسمها …. وشكرتُ ربّي لأنّي ما زلت أتمتّعُ بالذّاكرة الأذنيّة !!
وتركتني وحدي …… رابضة في حضن مكتبتي !! وعادت ذاكرتي …. ذاكرتي هذه (الشيطانة)، فرسمت أمامي صورة (البطولة) هذه السيّدة …. نعم تركتني …. لجراحات ذكريات مطلع شبابي !! أنا ،، يا قارئي الكريم ،، وحقك ،، لا أعيش على الذكريات …… بل ذكرياتي تعيش بين ثنايا ضلوعي …. ترفع رأسها ،، كلما سمعتُ عن حادث له مثيل في ذاكرتي !!
قال أحدهم لأحد الزّعماء :: يا صديقي هل أعلمك كيف تقوّي ذاكرتك !!!!
فقال له ::- بل …. علِّمني يا هذا …. كيف …. أنسى !!!! ويا ليت أحدًا …. يعلِّمني كيف أنسى أشياء كثيرة تملأ ذاكرتي ،، وأشياء ،، يجب ألّا أذكرها تعاودني ..
ما كنتُ ، لأنكأ جراحات قديمة لولا أنّ فئة من النّاس ما زالتْ تعيش على آلام غيرها !!
المتحدّثة ،، هي السيدة (×) من فلسطين !! ولولا بعض الاعتبارات لكنتُ ذكرتُ اسمها الحقيقي !!
إنّها من قلب ،، قلب ،، مدينة يافا !!!!
إنّها كانتْ يومًا جارتنا وصديقتنا،، إنّها السيدة (×) الأنانيّة المنحرفة ،، أخلاقيًّا ،، ووطنيًّا !! هي وأمثالها ،، سرقتْ مال الشّعب ،، وباسم الوطنية، والوطن، واللاجئين ملأوا جيوبهم …. وباسمه بنوا الفيلات والعمارات الشاهقات !!
ليت هذه السيدة، تكون صادقة في شعورها الوطنيّ الآن !! أمعقول أن تكون قد ندمت، وتابت؟؟ ولكن كيف لي ،، أن أؤكد هذا ،، وفي لبنان …. نعم في لبنان لا يزالون يسرقون …. الشعب ،، ويسرقون دماء الشعب ،، وينحرون أبناءه ،، والتّجارة به مستمرة ؟؟ لبنان الّذي يقتل فيه العربيّ أخاه العربيّ …. ولمصلحة مَن ؟؟؟
سنة 1948، (قبل النكبة بعدة شهور) تأسّست في يافا جمعية نسائية كان مقرها ،، في النادي الاسكتلندي ،، إزاء الكنيسة البروتستانتيّة .. وكانتْ هذه الجمعيّة مؤلّفة من نسوة كنّ أعضاء ،، ويمثّلنَ جمعيات نسائيّة خيريّة مختلفة !!
وانتخبت جمعية “رابطة التلمذة” ثلاث أعضاء من نساء يمثلنها في هيئة الجمعيّة ،، وهنّ رويدة أبو لبن ابنة التّاجر الشّهير ،، و إيفون بطشون، وهي شقيقة زوج الوزير صلاح أبو زيد ،، وكاتبة هذه السطور (أنطوانيت اديب الخوري آنذاك).
ومع أنّنا كنّا تلميذات في الثانوي إلّا أنّنا كنّا نقدّم لتلك الجمعيّة خدمات إنسانيّة تفوق ما تقدّمه بقية الأعضاء من النسوة الكبيرات..
وفي الطّابق العلويّ الجميل ،، من تلك البناية الاسكتلنديّة ،، أقامتْ هذه الجمعيّة مستشفًى كان يشرف عليه عدّة أطباء ،، ألمان ،، وعرب ،، كان بينهم السير طبيب حسن فرعون الّذي لم يغادر يافا ،، وقدّم لأهلها خدمات رائعة لن تُنسى ..
وكانت كانت الأختان البيروتيتان ،، شقيقتا الفنان اللبابيدي ،، تديران ذلك المستشفى ،، وإحداهما زوج السّيّد بيدس ،، والأخرى زوج الأستاذ المعروف رشيد الرّياضيّ ..
وذات يوم كنّا منهمكات في إعداد لفافات للجرحى ،، إذ بالسيدة (×) تدخل علينا “معجوقة” ،، وتتكلم بسرعة وحماس ،، وهياج ؟؟
ولماذا وقع اختيارها عليَّ ،، مع أنّني كنتُ من عضوً بين الصغيرات ،، لستُ أدري ؟؟ وسحبتني من يدي ،، مع عضوين من المشاركات في الجمعيّة ،، إحداهن كانت تمثّل جمعيّة الاتّحاد النسائيّ ،، وأخرى تمثل الجمعيّة الأرثوذكسيّة لعضد اليتيمات ..
إلى أين سنذهب ،، يا سيدتي ؟؟
قالت :: إلى الغرفة التّجاريّة !!
وسررتُ جدًا، لأنّي ما كنتُ أدري والله …… ما هي الغرفة التّجاريّة !!
ووصلنا إلى عمارة ضخمة ،، وإذا بالباب ،، رجل قصير ،، ينتظر السيدة (×) ووقفت تحادثه همسًا ،، وتؤشّر ،، وتشبِّر !!
وبعدها ،، دخلنا تلك العمارة …… وإذا بنا نقف في قاعة طويلة عريضة ،، تغصّ بتجّار يافا ،، منهم من عرفته ،، ومنهم من لم أعرفه !!
وابتدأت السيدة ( x) بإلقاء كلمة وطنية – ان…مدّوا أيديكم يا عرب !!
وقدم لها، اذكر جيدا، السيد – وهبة تماري – شيكا، لم تقبله، لأن المبلغ لم يعجبها!
وزادوا المبلغ… وخرجنا من القاعة شاكرات، وما ان خرجنا من البناية، ودآ بالشخص القصير اياه ينتظرها وتذهب اليه، وهمسان…
ومن الغرفة التجارية، ذهبنا الى البنك العربي، فصرف لنا الشيك، مدير البنك آنذاك السيد – اميل مايلا – .
ووضعت السيدة ( x) المال في حقيبتها، لتسلمه في اليوم التالي، لادارة الجمعية لشراء لوازم المستشفى.
وكنتُ بريئة في نظرتي للناس وللأمور… ولا ازال بريئة، وبسيطة، في نظرتي لكثير من الناس… ومن الأمور !!
وفي اليوم الثاني، كنت على موعد مع السيدة ( x) لنذهب الى الجمعية .. وانتظرتها…ودقت الساعة الثامنة، ميعاد اللقاء… التاسعة، العاشرة، ولم تأت…
وذَهبتُ الى بيتها، وطرقت الباب حتى كلَّ متني لكن لا مجيب…ورجعت ألهث… وخطر لي ان اميْل على جارنا وصديقنا الدكتور – منير المشعلاني – وقال لي بالحرف الواحد: أخشى ان تكون قد أخذت المال…وهربت…!
وفي طريقي… رأيت الخادم، خادم السيدة، وافهمني ان سيدتي سافرت مع افراد عائلتها… الى احدى الدول العربية!
أجل، السيدة الجليلة، أخذت المال، وفرّت من يافا مع الذين فروا…نعم. هذه حقائق اذكرها، واعرفها، فضلا عن حقائق كثيرة اعرفها…كلها تدل على الوطنية الصادقة!!
وهذه السيدة نفسها…تتحدث الليلة عن الوطن والوطنية، بعد ان تَرَكَتهُ…وهجرتهُ…وسرقت ماله!
وكم وكم مثلها سرقوا الجمعيات…وتاجروا بمشاعر الناس، ومصير الناس…وداسوا الكرامة لأجل تعبئة جيوبهم.
وكم وكم أثروا على حساب ما وصل باسم اللاجئين من مال ومتاع…وخيام…وألبسة…ومؤن!
ألم يتاجر أحد بأموال الصمود؟ باسم الوطن والوطنية واللاجئين؟
وما يحدث في لبنان الآن… مشاجرة في الوطنية وتزييف للمبادئ…ولأهداف الثورة!
كما حدث في فلسطين او اكثر…يحدث في لبنان…المتاجرة بأسمى أهداف الوطنية…فكم من الكتْاب والصحفيين الذين ما زالوا يتاجرون بأقلامهم وبالوطنية.
لا ننكر ان الوطنيين، منهم من يحمل سلاحا يدافع…ومنهم من يحمل قلما نظيفا…ويقارع…ومنهم من يحمل بيده، مبضعا، وسماعة ليخفف عن المصابين والمرضى…وبحنان!
وهل نستطيع ان نساوى بين الطبيب الذي يخدم…وبين الطبيب الذي سلب ما غلا ثمنه.. وخفّ حمله.. وترك الوطن؟
لا اقول هذا رغبة في الاتهام، ولا اتباهى بخيانة البعض من شعبي العربي!! بل، العكس، فهذا يؤلمني!!
ولكن من يتطلع الى الوراء…يبصر الى الامام…وكل عربي مخلص يتمنى ان تُصرف المساعدات، في البناء، بناء كل ما يهدم في لبنان،، سيان ما اذا كان ما هٌدم عائدا للبنانيين…أو للفلسطينيين.
وإلا تصبح الاموال هدفا للنهش، والسلب، وتكديس الحساب في البنوك، او حشر الجيوب والبناء على حساب بناء لبنان… هذا “اللبنان”..الذي كنا نرى به شاطئ الأمان، ودوحة الاستقرار !!
حقا.. اننا بحاجة الى رؤى جديدة…الى آفاق جديدة، الى افكار جديدة… الى ان نهب نفوسنا للأعمال الكبيرة، وان نستعد لبناء بنايات الخير العظيمة…في امكنة مهيأة… للبناء!!
ونذكر ان:
همم النفوس على النفوس مدارها
وبها تبين كبارها، وصغارها
ان النفوس فروع اجسام، وما
تبديه من همم النفوس ثمارها!!
كيمبريدج
