الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – توجَّهتُ إلى بلدي الحبيب لبنان، بعد غياب طويل. وصلته ليلاً، فوجدتُ بيروتَ مغمورة بالعتمة. هذه المدينة التي لا تعرف أن تنام، والحركة فيها لا تهدأ، غطَّاها وشاح من الظلمة وكأنَّي بها عادت مئة سنة إلى الوراء. ثمَّ رأيتُ طوابير من السيَّارات متوقِّفة عند محطَّات البنزين تنتظر أن تفتح المحطَّة أبوابها صباحًا ليشتروا شيئًا زهيدًا من مادَّة البنزين لا يكفيهم يومهم…
وفي الغد، توجَّهتُ إلى شركة الهواتف النقَّالة، توقَّف المصرف عن دفع فواتير الهاتف فاحترق خطُّ الهاتف من أكثر من ستَّة أشهر…
انتهت صلاحيَّة جواز سفري، توجَّهتُ إلى مركز الأمن العامّ، طلبوا منّي العودة باكرًا في اليوم التالي، لأنَّهم لا يقبلون أكثر من خمسة وثلاثين طلبًا في اليوم، والناس ينتظرون دورهم كالغنم ليقوموا بالمعاملات الضروريَّة للحصول على الجواز. ناهيك عن تأخير استلام الجواز إلى أكثر من شهر. فالمهاجرون كثُر ووضع البلد سيِّئ للغاية…
وماذا أتكلَّم عن سعر ربطة الخبز الذي يفوق قدرة الفقير، قبل أن أتكلَّم عن انقطاع الكهرباء بشكل شبه تامّ، وتقنين مولّدات الكهرباء، وارتفاع أسعار المحروقات بشكل جنونيّ، وارتفاع أسعار الموادّ الغذائيَّة. وهذه كلُّها مرتبطة بارتفاع غير مقبول لسعر صرف الدولار الأميركيّ.
وتبقى هذه الأمور كلُّها سهلة أمام انقطاع الأدوية، للأمراض المزمنة كما للأمراض المستعصية، وانقطاع الحليب للأطفال الأحبَّاء…
أتُراني جئت إلى لبنان حتَّى أشارك أبناء بلدي في التذمُّر والتأفُّف من الوضع الاقتصاديّ المتردِّي فيه؟ أم تُراني أشعر بالغضب والسخط على مسؤولين لا يبرحون متمسِّكين بكراسيهم خوفًا من محاكمة تطالهم أو من مال حرام يُنزع منهم أو من مصلحة يفقدونها أو من زعامة يخسرونها…
ومررتُ بربِّ أسرة لا يعرف كيف يؤمِّن قوت يوم له ولأسرته، فوجدته يصلح بابًا مخلَّعًا في داره، وإذا بابنه الكسيح يسرع إليَّ على كرسيِّه النقَّال والضحكة ملءُ فمه، وبالزوجة تهرع إلى استقبالي بكأس ماء بارد. فقلتُ: “بالرغم من كلِّ شيء، يبقى الأمل سيِّد الموقف”…
والتقيتُ بكاهن رئيس جمعيَّة خيريَّة، يوضِّب موادَّ غذائيَّة لأسر مستورة يعاونه أكثر من عشرة شبَّان وشابَّات، وهم يعملون بكلِّ فرح وسرور. فقلتُ في داخلي: “بالرغم من كلِّ شيء، يبقى العمل الإنسانيّ سيِّد الموقف”…
ودُعيتُ لترأُّس حفل دينيّ فإذا القاعة الكبيرة غاصَّة بالمؤمنين، بالرغم من بقاء انتشار وباء الكورونا، والخوف من العدوى، فقلتُ في نفسي: “بالرغم من كلِّ شيء، ما زال الإيمان حيًّا، ويبقى سيِّد الموقف”…
وسألتُ شحَّاذًا أعمى كيف حاله. فأجاب: “بالرغم من الضيق الذي تمرُّ به البلاد، ما زالت الأيدي الكريمة تغدق عليَّ بخيراتها. فأنا لم أشعر يومًا بضائقة ماليَّة طوال هذه الفترة”…
طالما هناك إنسان يبني من جديد، وآخر يصلح ما تهدَّم، وآخر يساعد غيره، وسواه يؤمن بإله خلقه ولا يمكن أن يتركه، فلبنان، بالرغم من كلِّ شيء، سيبقى بألف خير. وإن وقع في حفرة كبيرة لا بدَّ له من النهوض مجدَّدًا والانطلاق من جديد!