هل سيفلح الحياد القسري في أوكرانيا؟

الدكتور  أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – “الحياد الدائم هو مبدأ من مبادئ السياسة الخارجية السويسرية”، وعلي الرغم من أنها تعمل كمقر للعديد من البعثات الدبلوماسية وكموقع للمعاهدات التاريخية مثل اتفاقيات جنيف الأربعة للقانون الدولي الإنساني عام 1949، إلا أن سويسرا ليست جزءًا من الاتحاد الأوروبي أو الناتو. إنها علامة على مدى الجدية التي يأخذ بها السويسريون سياستهم الخارجية المحايدة، حيث انضموا إلى الأمم المتحدة مؤخرًا في عام 2002، مما وضع نهاية لسنوات للنقاش بعد تصويت 54 في المائة من سكانها لصالح هذه الخطوة.

تاريخيا، كان السويسريون محاربين مشهورين بطموحات توسعية حتى القرن الخامس عشر الميلادي عندما خسروا معركة “مارينيانو” أمام الفرنسيين، و شهدت السنوات التي تلت ذلك تحول سويسرا في سياستها الخارجية إلى كونها دولة مسلحة محايدة في زمن الحرب، وهو موقف تم اختباره بشدة في العقود التي تلت ذلك.

إلى جانب ذلك، انتهج السويسريون سياسة الحياد المسلح، وفرضوا الخدمة العسكرية الإجبارية (التي استمرت حتى الآن) للحفاظ على الاستعداد العسكري في حالة حدوث غزو، وبنفس القدر من الأهمية كانت تبنت سويسرا التعاون الاقتصادي مع كل من قوات الحلفاء والمحور، مما جعلهم هدفًا أقل جاذبية للهجوم.

هناك عدد من الخصائص المهمة التي تعتري الحياد المسلح و التي تترسخ تمثيلا في الحياد السويسري، فالحياد لا يعني في كل الأحوال نزع السلاح، فبعد بعد أن استولت روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2014، عززت السويد وفنلندا إنفاقهما الدفاعي ، وقفز الإنفاق السويدي 40٪ بين عامي 2021 و 2025 ، إلى 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي ، و تنفق فنلندا 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع ، بعد زيادة بنسبة 54٪ بين عامي 2020 و 2021 – ووقعت للتو صفقة لشراء 64 طائرة أمريكية من طراز F-35 ..

لا يُقوض الحياد استقلال الدولة بشكل مطلق، صحيح أن اعلان الحرب أحد مظاهر تمتع الدولة بسيادتها في الدومين الخارجي، فضلا عن ابرام اتفاقيات الحد من الأسلحة، لكن أحيانا يصون الحياد استقلال وسيادة الدولة من جانب آخر، وهذا ما حدث بالنسبة للنسا في عام 1955.

بعد تقسيم النمسا إلى مناطق احتلتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تمامًا مثل ألمانيا. أحرزت المفاوضات تقدمًا طفيفًا حتى عام 1955، عندما قدم المستشار النمساوي يوليوس راب اقتراحًا بالحياد إلى موسكو واعدًا بعدم الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو السماح بقواعد عسكرية على الأراضي النمساوية، لذلك وافق الزعيم السوفيتي وانسحبت القوات السوفيتية، وحذت القوات الغربية حذوها، وهكذا ظلت النمسا موحدة ومحايدة طوال الحرب الباردة بينما تم تقسيم ألمانيا المجاورة بين الشرق والغرب.

في السياق الأوكراني شدد الرئيس زيلينسكي علي أن قبول أوكرانيا بتبني  الحياد لا يعني تنازلها عن شبر واحد من أراضيها وهذا رد مباشر وصريح علي المطالبات الروسية باعتراف أوكرانيا بالكيانات  الانفصالية التي انفصلت عنها منذ عام 2014 .

في السياق الأوكراني يتناقض مفهوم ونموذج الحياد المسلح مع المطالب الروسية بتقليم أظافر الخاصرة الأوكرانية أي نزع أو تخفيض تسلحها، فسويسرا والسويد وفنلندا أعضاء من خارج الناتو ولديهم جيوش قوية، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي قوية، ويشترون الأسلحة مِن مَن يريدون.

يظلل حجر الزاوية للحياد هو النأي عن الانضمام إلى التحالفات العسكرية ، فمن المؤكد  أن عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو أمر ضروري بالنسبة لروسيا، فقد سبق  أن  صرح  الرئيس بوتين أن الصراع بين الناتو وروسيا يمكن أن يتحول إلى نووي إذا انضمت أوكرانيا إلى الناتو.

في السياق الأوكراني ليس من الواضح ما إذا كان التعهد الأوكراني بعدم الانضمام إلى الناتو سيكون كافياً بالنسبة لبوتين ، الذي أعلن أن الأوكرانيين والروس هم ” شعب واحد “،  لكن النموذج الأوكراني علي وجه التحديد يكشف  أن هناك شروطًا محددة يمكن للدول أن تتفاوض بشأنها.

كثيرا ما تنضم الدول المحايدة إلى المنظمات التجارية والاقتصادية، وتدليلا ،تشمل الدول المحايدة أو غير المنحازة في الاتحاد الأوروبي أيرلندا والنمسا والسويد وفنلندا وقبرص ومالطا، لذلك وبعيد عن تربص الدب الروسي فقد طلبت أوكرانيا من الاتحاد الأوروبي التعجيل في طلب العضوية، وهنا سيطرح السؤال المركزي في هذا السياق : هل ستصبح  عضوية الاتحاد الأوروبي مهمة لبوتين بذات  أهمية العضوية في الناتو؟

نظريا: لا يمكن أن تحدث أي اتفاقية حياد دون أن يسعى الأوكرانيون إليها ويقبلونها ، وتدليلاً ، فمنذ الحرب العالمية الثانية ، فشل الحياد المفروض من الخارج  علي الدول دون ارادتها  المسبقة ، كما في حالة لاوس في عام 1962 ، أثناء حرب فيتنام.

في ذات الصدد وكجزء من اتفاق تفاوضي، قد تضمن القوى الكبرى وحدة أراضي أوكرانيا وحيادها ، في “اتفاقية ضمان ”  وسيتعين عليهم أن يوازنوا بين المخاطر الشديدة التي قد تنجم عن الانجرار إلى أزمة مستقبلية،  لكن تقديم ضمانات الحياد يمكن أن يمنح أوكرانيا الأمن والاستقلال في مواجهة روسيا.

في الوقت الحالي وبعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأوكراني من غير الواضح ما إذا كان الحياد خيارًا، أو متى يمكن أن يصبح خيارًا، و قد يستغرق الأمر مأزقًا دمويًا طويل الأمد لإقناع الرئيس بوتين بمراجعة أهدافه الحربية اللصيقة بفرض الحياد علي أوكرانيا.

ختاما، ستقطع جهيزة ” أوكرانيا ” قول كل خطيب و تجيب علي أهم سؤال،هل سيفلح الحياد القسري في الحالة الأوكرانية ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

ترامب… سياسة “الضغط الأقصى” أم تمهيد لصفقة كبرى مع إيران؟

الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –   من يقرأ شخصية الرئيس الأميركي دونالد …