موت أم حياة؟

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – كنتُ في رحلة حجّ إلى المدينة الخالدة روما، والتقيتُ صدفة بأختين من لبنان آتيتين من البلاد الأميركيَّة لزيارة إيطاليا. تعرَّفت إليهما في الفندق ورحتُ أسألهما عن الحياة في أميركا فقالت إحداهما:

  • “كنتُ أظنُّ أنَّني سأعيش في أميركا كالملكات. فيوم تقدَّم شابٌّ منّي للزواج فرحتُ كثيرًا لأنَّه يعيش في أميركا وسوف أمضي إلى هناك. تزوَّجنا وسافرنا فورًا إلى أميركا. ولكن في الحقيقة، نحن نعيش هناك وكأنَّنا لا نعيش. نستيقظ صباحًا،أنا وزوجي،كلُّ واحد منَّا يمضي إلى عمله، والأولاد يذهبون إلى المدرسة بالباص. ونعود إلى البيت مساءً، فأقوم بتحضير العشاء فيتعشَّى الأولاد وينتقلون كلٌّ إلى غرفته ومن ثمَّ يخلدون إلى النوم. ما يريحني فعلاً أنَّ الأولاد ينهون دروسهم في المدرسة. أمّا أنا فأنتظر إلى أن يعود زوجي إلى البيت فنتعشَّى بصمت بسبب التعب، ونخلد فورًا إلى النوم. لا يرى الأولاد أباهم إلاَّ عند الصباح وخلال العطلة الأسبوعيَّة. وهكذا حياتنا تمضي دواليك. في أثناء العطل، نخرج كأسرة لزيارة منطقة جديدة مدَّة يومين أو ثلاثة. أمّا أختي هذه فلا أراها إلاَّ في الأعياد. أنا في أميركا منذ أربعين سنة، لم أزر لبنان إلاَّ بعد مضيّ اثنتين وعشرين سنة من ذهابي إلى أميركا. نعمل ليل نهار ولا وقت للراحة. المفيد في الأمر أنَّ كلَّ شيء مؤمَّن في أميركا، ولكلِّ إنسان كرامته. تعرَّفتْ أختي الصغرى عليَّ وهي في العشرين من عمرها لأنَّ أمّي ولدتها بعد أن أنجبتُ ابني بسنة تقريبًا. الحياة في أميركا عاديَّة وروتينيَّة…”وفجأة نظرت إليَّ وسألتني: “أنا امرأة مؤمنة، ولكن هل هناك حقًّا حياة بعد الموت؟”…

تعرَّفتُ يومًا إلى امرأة أرملة قالت لي: “عمري الآن 21 عامًا. تزوَّجتُ وأنا في الخامسة عشرة من عمري. ولديَّ أربعة أطفال صغار. حضنني أهلي ولم يتركوني. ما كنتُ أعرف ماذا أفعل. مات زوجي الجنديّ شهيد الوطن وما أتقاضاه من الجيش لا يكفي حليبًا لأولادي الأربعة. أعمل خادمة في المنازل بينما تسهر أمّي على أولادي. لا أعرف ليلي من نهاري. حياتي كلُّها عمل. في النهار أتنقَّل من بيت إلى بيت، وفي الليل أتنقَّل من ولد إلى ولد. عمري واحد وعشرون عامًا وأبدو في الأربعين. لم أعرف الدرب نحو المدينة إلاَّ يوم زفافي ويوم وفاة زوجي…”

ولو شئنا أن نعدِّد حالات البشر لأحوجنا مجلَّد من المقاس الكبير. ماذا نقول عن شخص أُدخل إلى السجن ظلمًا وحُكم عليه بالسجن مدَّة طويلة لأجل جرم لم يقترفه؟ وماذا نقول عن امرأة تزوَّجت باكرًا وأُجبرت أن تلزم البيت لتربية أولادها من جهة، ومن جهة ثانية لأنَّ العادات والتقاليد تحرِّم عليها الخروج من البيت؟ أوماذا نقول عن رجل عمل في منجم للفحم مذ كان عمره 12 سنة، ومات بعمر الستّين بالسلّ ولم يرَ الشمس يومًا في حياته؟…

ويتساءل المرء مرَّات كثيرة هل سيكون حيًّا بعد الموت، ولكن هل تساءل يومًا إذا كان حيًّا قبل الموت!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …