الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – يمرُّ في حياتك أشخاص كثيرين يتركون بصماتهم واضحة وضوح الشمس، وأحيانًا كثيرة يكونون السبب في إصلاح عيوب فيك لطالما رغبتَ في تجاوزها، فليس من السهولة بمكان أن تسيطر على أعصابك وقت وقوع حادث ما، ولكنَّ البطولة تتجلَّى في السيطرة على الانفعال والغضب وقت الشدَّة. أخبرني صديق لي هذه الحادثة وهو ما زال حتَّى اليوم يشكر من علَّمه أن يكون ضابطًا للنفس قال:
“اشتركتُ يومًا في محاضرة لأحد الدكاترة في علم النفس أذهلتني وعلَّمتني كيفيَّة التصرُّف وقت الغضب. فأنا سريع الغضب والانفعال ولم أتعوَّد أن أسكت على خطأ يرتكبه الآخرون بحقّي. لطالما كنتُ أردِّد: إذا لم تأخذ حقَّك بيدك في هذه البلاد فلن يعطيك إيَّاه أحد. وكنتُ مقتنعًا بهذا القول وأسير عليه، إلى أن سمعتُ تلك المحاضرة التي بدَّلت لي كلَّ تفكيري وتصرُّفاتي وقت التعرُّض لموقف غضب.
“هذا الدكتور هو شخص حليم وعند الشدَّة يبتسم محاولاً استيعابها للحؤول دون تفاقم المشاكل. وكم وددتُ أن أقتدي بمثله الرائع، إلى أن توصَّلت إلى ذلك بالممارسة. وإليك ما جرى مرَّة معي:
“كنتُ أقود سيَّارتي بشكل بطيء جدًّا على طريق بيتي الفرعيَّة ريثما أعبر إلى الطريق الرئيسيَّة، وإذا بسيَّارة كانت تسير خلفي تقطع عنّي بسرعة جنونيَّة وكادت تصطدم بشاحنة آتية بالاتِّجاه المعاكس. أوقف السائق السيَّارة ونزل منها، فاضطررتُ إلى إيقاف سيَّارتي، وتوجَّه إليَّ وهو يلعن ويسبُّ لأنَّني كنتُ أسير ببطء ممَّا جعله ينفعل ويحاول تجاوزي فكاد يقع ضحيَّة حادث مروَّع. فنزلتُ من السيَّارة وأنا أبتسم قائلاً: “الحمد لله على السلامة، الشكر لله أنَّه لم يُصب أحد بأيِّ سوء”. أمّا هو فازداد صياحًا بينما تابعتُ الكلام بهدوء: “هوذا منزلي، ما رأيك لو نشرب فنجانًا من القهوة ونتعرَّف إلى بعضنا، فأنت تبدو شابًّا مهذَّبًا، وإن كنتَ منفعلاً قليلاً. الحمد لله أنَّنا لم نُصب بأيِّ أذى”. عندئذٍ، شعر بأنَّه غُلب على أمره فقال: “أنا أعتذر من تصرُّفي الأرعن، فأنا سريع الغضب ومستعجل. أشكرك على تفهُّمك فقد غلبتني بلطفك. أنت من طينة قلَّ نظيرها”.
“لم تنتهِ الحادثة عند هذا الحدّ. كان هذا الرجل طبيبًا جرَّاحًا وماهرًا، لكنَّه لا يعرف للراحة سبيلاً، حتَّى أضحى سريع الانفعال. اضطررتُ يومًا إلى الخضوع لعمليَّة جراحيَّة، وشاءت العناية الإلهيَّة أن يكون هو الطبيب المعالج. وفي إحدى زياراته لمعاينتي قال لي: “بفضلك تعلَّمتُ كيف أضبط نفسي. فالشكر لك”. وكأنَّه شعر أنَّني أمرُّ بوضع مادّيّ صعب، فعند الخروج من المستشفى، تبيَّن أنَّه حسم مبلغًا كبيرًا من الحساب…”
من الصعب على الإنسان أن يسيطر على أعصابه، لاسيَّما وقت الوقوع في حادث مؤسِف، ولكنَّ الممارسة على ضبط النفس تجعلك محافظًا على الأخلاق التي تربَّيت عليها. فالقاعدة الذهبيَّة التي يجب أن نتحلَّى بها تقول: “إذا فشلت في رفع أحد لمستوى أخلاقك، فلا تدعه ينجح في إنزالك لمستوى أخلاقه!”