الرحلة قصيرة

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – بينما كنت مسافرًا مع رفيقي إلى بيروت، اتَّخذنا سيَّارة أجرة لتقلَّنا إلى المطار، وكان الطقس حارًّا جدًّا. قال لي رفيقي: “الجوُّ خانق”. فاستدرك سائق السيَّارة قائلاً: “عذرًا لا يوجد وسيلة تبريد في السيَّارة”. فقلت له: “لا بأس فالرحلة قصيرة”… أقلعت بنا الطائرة من بلد إلى آخر، قعدتْ إلى جوارنا سيِّدة تحمل طفلاً بين ذراعيها. طوال الرحلة والطفل يبكي بكاءً مريرًا. فأظهر رفيقي امتعاضه وقال بصوت مرتفع: “ألا يمكننا أن نرتاح قليلاً”. عندئذ، التفتت المرأة صوبنا وقالت لنا: “عذرًا إنِّي أحاول جاهدة أن أسكته لكنَّني لا أتوصَّل إلى ذلك سبيلاً”. فقلت لها: “لا بأس، فالرحلة قصيرة”…

وصلنا إلى مطار بيروت الدوليّ، ولم يكن هناك أنترنت. غضب رفيقي وبدأ يلعن حظَّه مردِّدًا: “يا لحظِّي السيِّئ! ما أزعج هذه الرحلة من أوَّلها إلى آخرها! كيف نتَّصل برفيقنا؟ لا بدَّ أنَّه ينتظر اتِّصالاً منَّا. تقدَّمت من عامل في المطار وطلبتُ منه أن يسمح لي باستعمال هاتفه. واتَّصلتُ بالرفيق الذي كان ينتظرنا خارجًا. وهكذا استطعنا الخروج من المطار بسهولة…

وفي الطريق، شعرنا بأنَّ السيَّارة تميل بنا إلى جهة اليمين. فركن رفيقنا سيَّارته، وترجَّل فرأى أنَّ أحد الدواليب ثُقب وفرغ من الهواء. فابتسمتُ وقلتُ لرفيق الدرب: “الآنَ اكتمل نهارك السيِّئ”. فنظر إليَّ بحنق وقال: “ألا تغضب أنت؟ ممَّا أنت مكوَّن؟”…

بينما أكتب هذه الصفحة توقَّفتُ قليلاً لأرى إحدى وسائل التواصل الاجتماعيّ، فوقع أمام ناظريَّ مقال يحمل العنوان ذاته: “الرحلة قصيرة”. فابتسمتُ وقلتُ في سرّي: “أتُراها توارد خواطر، أم أنَّ العناية الإلهيَّة تتدخَّل أحيانًا لتثبيت ما نكتب؟”

نعم، الرحلة مهما طالت فهي قصيرة. حتَّى رحلة الحياة على هذه الأرض، مهما طالت فهي تمضي سريعًا، ولا نشعر إلاَّ وأنَّ العمر مضى، وأضحينا على مشارف المغيب.

لماذا إذًا، نبحث عن الأحقاد والمشاكل بدل أن نعيش في سلام ووئام؟ الكثير منَّا، ولاسيَّما في وطننا العربيّ، لا يتكلَّمون إلاَّ وكلمة الله تتردَّد على شفتيهم: “الله معكم، الله يبارك، الله يساعد، الله يعين، الله يراني، الله راعيَّ، لا إله إلاَّ الله، توكَّلتُ على الله، الحمد لله، الشكر لله دائمًا، “كتِّر خير الله”… وحتَّى عندما يحلفون يقولون: “والله”، وحياة الله، أُقسم بالله… وفجأة، عند أقلّ غلطة، يتحوَّلون إلى حيوانات مفترسة، أو طيور كاسرة، لينقضَّوا على “فريستهم”…

ما أجمل أن يكون الله حاضرًا دومًا في حياتنا، وفي أقوالنا، ولكن كثيرًا ما ننساه في تصرُّفاتنا المهينة له، وردَّة فعلنا السريعة والمسيئة إلى الإنسان والدين والقيم والمجتمع!

أما حان لنا أن نجسِّد أقوالنا المعسولة، تصرُّفات لائقة بنا وبمَن حولنا؟ أما حان لنا أن نُظهر تمدُّننا بدل أن تتحوَّل تصرُّفاتنا فجأة، ودون سابق إنذار، إلى شريعة غاب؟

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …