أيمن سلامة –
الأول نيوز – أقَرّت إسرائيل بمسؤوليتها عن قتل الأطفال الأبرياء في قطاع غزة ، وهذه ليست المرة الأولي التي يقضي الأطفال الأبرياء الفلسطينيين نحبهم ، جراء آلة البطش والعدوان الإسرائيلية ، فقد تابع العالم ، تدليلا ، وليس حصرا ،جثُث عشرات الأطفال الأبرياء في قطاع غزة في الحملة التي كنّتها إسرائيل ب ” الرصاص المصبوب 2008-2009 “، ولكن متي تتم محاسبة إسرائيل المحتلة والإسرائيليين المحتلين أيضا ؟
الأضرار الجانبية المتوقعة أثناء العمليات العدائية العسكرية هي ليست مشكلة أخلاقية وحسب ، عندما تُقتل أعداد كبيرة من المدنيين ، ولكن حين تحدث هذه الأضرار بشكل يكاد يكون ممنهجا كما في حالة الإحتلال الإسرائيلي ، فالأمر لا يقتصر علي قواعد الأخلاق و لكن يضحي الأمر انتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي الإنساني ، وتحديداً اتفاقية جينيف الرابعة عام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب .
تأسست مبادئ و قواعد القانون الدولي الإنساني منذ قرون خلت علي فكرة إنسانية محورية هي : ضرورة حماية المدنيين من الاستهداف في الحرب ولأنهم غير مقاتلين ، لأنهم ضعفاء ولا يشكلون أي تهديد لمن يشنون الحرب ، ولذلك فضعف وتعرض هؤلاء المدنيين للأخطار هو الذي يجعلهم موضوع الحماية القانونية أثناء النزاع المسلح .
أضحت ضرورة حماية المدنيين عنصراً أساسياً في سياسة الدول المتحضرة بوجه عام ، وانصياعاً للمواثيق الدولية للقانون الدولي الإنساني بوجه خاص ، وترتكز استراتيجية الحروب الحديثة سواء مكافحة الإرهاب والتمرد التي تخوضها الدول ، علي كسب القلوب والعقول ، وحتي تكسب الحرب ؛ لا تقتل أو تؤذي الناس الأبرياء ، فتصنع المزيد من الأعداء ، وتخسر الحرب.
في حين أن مبدأ الحصانة المدنية ينطبق على الاستهداف المتعمد للمدنيين والأعيان المدنية ، إلا أن المدنيين قد يتعرضون للأذى من الناحية القانونية إذا كان الضرر غير مقصود وعرضيًا لأهداف الجيش ، لكنها حقاً حقيقة مؤسفة حين تقوم بعض الدول و بكل استهتار بالزعم في كل مرة تقتل فيها المدنيين الأبرياء بدم بارد ، وتحاجج هذه الدول وتدفع بالأضرار الجانبية التي أدت لمقتلهم ، كما في الحالة الإسرائيلية .
يتعارض مفهوم ” الأضرار الجانبية ” مع الحروب الحديثة المتطورة التي تستخدم فيها جيوش الدول النظامية التكنولوجيا المتقدمة والذخائر الموجهة بدقة ، والأثر النسبي المقبول كضرورة عسكرية ، ومن غير المتصور قانونياً الاعتداد و الدفع ب “الأضرار الجانبية الشاملة ” حيث غالبًا ما يُنظر إلى الأضرار الجانبية النظامية على أنها مجرد حادث ، وكأن حدوثها ووقوعها العام أمرًا طبيعيًا وغير متأثر بخيارات السياسة.
جَلِي أن الأضرار الجانبية النظامية والتناسب المهمل في تقدير واستهداف الأعيان العسكرية تنتج جزئيًا عن طريق المفاهيم الموسعة والمتساهلة للضرورة العسكرية ، والتذرع بضغوطات الحرب كما في الحالة الإسرائيلية .
لا مِرية أن القرارات الإستراتيجية الإسرائيلية خاصة علي الصعيد العسكري و الأمني غير منبتة الصلة بارتفاع الإصابات في صفوف المدنيين الفلسطينيين ، ولن تنحسر الخسائر ، بالطبع ، في صفوف المدنيين الفلسطينيين ومنهم الأطفال الأبرياء إلا بتغيير سياسة الاستعلاء العرقي و القومي الصهيونيين .
من الخطأ الاعتقاد بأن كل عمليات القتل غير المقصودة للمدنيين هي دائمًا أو حتى عادة ما تكون حادثًا غير متوقع ، فالتركيز على نية القائد السياسي و العسكري لها دور كبير في استجلاء حقيقة توافر الضرورة العسكرية و الضرر الجانبي أيضاً إن الزعم الإسرائيلي المتواتر بأن الضرر الجانبي هو أمر طبيعيي، ولا مفر منه يضعنا في عالم غير أخلاقي أو قانوني ، يسوده قانون الغاب ، فقبول الضرر الجانبي باعتباره أمرًا حتميًا تدفع به سلطات الاحتلال الإسرائيلي حتي حين يقتل الأطفال الأبرياء بدم بارد ، يقودنا لتجاهل قانونية قواعد الاشتباك ، ومدي تحقيق الميزة اعسكرية علي الخصم ، و التمييز بين المدنيين و المقاتلين ، والحيطة قبل وأثناء استهداف الأشخاص و الأعيان.