الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – مذ بلغ السابعة من عمره، حتَّى قاد قطيع أبيه وحده إلى المرعى. هو البكر بين إخوة كثيرين، ولا بدَّ له من أن يصبح معيلاً مع الوالد. ابتسم له الحظّ يوم انتقلمع عمِّه إلىالمدينةليعيش هناك معه، فبدأ العمل باكرًا في بيع الصحف. ولم يلبث أن اقتنى له محلاًّ تجاريًّا فتحه مكتبة، ولم تلبث مكتبته أن أضحت أكبر مكتبة في المنطقة.
منذ صغره، راح يدَّخر كلَّ قرش يحصِّله حتَّى استطاع أن يجمع ثروة كبيرة، وبلغ عدد الموظَّفين في مكتبته ثلاثين موظَّفًا وموظَّفة. تزوَّج ورُزق بولدين اثنين ترك تربيتهما لزوجته التي، بدل أن تهتمَّ بهما، أهملتهما وراحت تهتمُّ بهندامها ومظهرها الخارجيّ. فكبر الولدان دون علم ولا تربية. بينما الوالد يدَّخر كلَّ قرش، راح الولدان يصرفان المال دون رقيب ولا حسيب. وعندما شعر أنَّ ولديه لا يسيران على خطاه في العمل والاجتهاد كان الوقت قد فات. فتحسَّر على أيَّام طويلة قضاها في السهر والتعب والكدّ ليؤمِّن لولديه حياة كريمة… أمَّا هما فلم يكتفيا بعدم الاكتراث لكدِّ الوالد وتعبه، بل انغمسا في لعب الميسر وتعاطي المخدِّرات. وإذ علم الوالد بما آل إليه ابناه، حزن كثيرًا حتَّى أصابته جرحة قلبيَّة أودت بحياته، وقبل مضيّ أربعين يومًا على وفاته، كان الولدان قد خسرا كلَّ ثروة أبيهما على لعب الميسر، حتَّى المكتبة التي اقتناها والدهما بيعت بالمزاد العلنيّ… وبسبب تفاقم الديون عليهما أُودعا السجن بعدما أصيبت الوالدة بمسّ من الجنون وأُدخلت إلى مصحٍّ عقليّ…
تشبه هذه القصَّة آلاف القصص التي نسمع بها كلَّ يوم. بينما يتعب الوالد في تأمين مستقبل أولاده، ينسى الاهتمام بهم وبتربيتهم، وإذا لم تكن الزوجة على قدر المسؤوليَّة تقع الكارثة…
تحرَّر أيُّها الإنسان من أثقال هذه الحياة! ما بالك تهتمُّ بالمستقبل وتنسى الحياة الحاضرة؟ ما بالك تهدر عمرك في الكسب وجمع المال وعندما تشيخ تخسر صحَّتك وتصرف مالك على الأطبَّاء؟ ما همُّك أمر الغد، فالغد يهتمُّ بأمره. ابحث لك عن أوقات للراحة تقضيها مع أسرتك والأولاد، مع أصحابك والأقارب. الحياة تمضي بسرعة ولا تستطيع اللحاق بها. أحيانًا كثيرة، تفقد مالك، صحَّتك، أحد أولادك بإهمالك وتقاعسك عن التربية والاهتمام، ولات ساعة مندم!
تحرَّر من قيود كثيرة تكبِّلك! تحرَّر من التعلُّق بالمادّيَّات فهي مرهقة للعقل وللجسد! تحرَّر من البخلوالطمع والجشع والحسد وحبِّ السيطرة، فجميعنا مصيرنا واحد، ولن نحتاج إلى أكثر من مترين وخشبة، أو ربَّما في القريب إلى قارورة صغيرة يوضع فيها الرماد…
تحرَّر لأنَّك لا تعلم ما أعددته لمن يكون! اهتمَّ بإسعاد نفسك ومَن حولك، اهتمَّ بآخرتك وما تعطيه، فستأخذ معك إلى دنيا الحقّ لا ما ادَّخرته بل ما قدَّمته. فاسعَ قدر ما تشاء لفعل الخير فهو رأس مالك للحياة الثانية!