في الوفاء

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – تخبرنا الأقصوصة عن وزير خدم ملكه طوال عشرين سنة. وهذا الملك كان يُلقي كلَّ من يخالف أوامره في جبٍّ للأسود الجائعة. وفي إحدى المرَّات لم يوفَّق الوزير في إبداء رأيه للملك إذ سبَّب له مشكلة كبيرة، فقرَّر الملك إلقاءه للوحوش. وهذا ما تمَّ بالفعل. ولكن، عندما أتى الملك لرؤية ما حلَّ بوزيره، رآه حيًّا يُرزق، يداعب الوحوش وهي تلاطفه. فأخرجه من الجبِّ وقال له:

– غريب أمر تلك الأسود الجائعة، كيف أنَّها لم تنقضَّ عليك وتلتهمك!

– أتسمح لي بالكلام يا مولاي؟

– بالطبع، بالطبع.

– الغريب يا مولاي، أن يعامل الملك خدَّامه المخلصين له هذه المعاملة السيِّئة بعد خدمة دامت أكثر من عشرين سنة.

– كيف؟

– كنتُ أعلم علم اليقين أنَّ لا أحد معصوم من الخطأ، ولا بدَّ لي من أن أقع يومًا في رأي خاطئ أُبديه لمولاي الملك. لذلك صرتُ أطعم الوحوش بذاتي مرَّات عديدة في الأسبوع، حتَّى اعتادت عليَّ واستأنست بي. وبعد عشرين يومًا من إطعامها استطعتُ أن أدخل عليها وأقدِّم لها الطعام بيديَّ دون خوف من أن تؤذيني. لذلك، مهما اشتدَّ الجوع بتلك الوحوش لن تنقضَّ على مَن يقدِّم لها الطعام. فالوحوش تبقى أكثر وفيَّة لخادمها من البشر.

– وما العبرة التي استنتجتها يا وزيري الحكيم؟

– لو خدمتَ الإنسان طوال حياتك، وامتنعت يومًا عن خدمته، سوف يغدر بك ويتنكَّر لك ناسيًا كلَّ ما قدَّمته له. والملك بالرغم من جبروته وقدرته وبطشه يبقى إنسانًا ضعيفًا يقع هو الآخر في الضعف وفي إنكار المعروف. فالإنسان يبقى إنسانًا وشهوة الانتقام في قلبه ثابتة.

– ألا يوجد من لا ينسى المعروف بالرغم ممَّا تعرَّض له من الآخر من شرّ؟

– بالطبع، هناك الإنسان الذي يحبُّ. فالذي يحبُّك، مهما صنعتَ به، يغفر لك ويسامحك. فالأمُّ التي تبذل ذاتها في سبيل أولادها، لن تتنكَّر لهم ولو تنكَّروا لها، لأنَّ حبَّها لهم عظيمٌ هو. والحبيبُ الذي يحبُّ حبيبه يسامحه على ما يرتكبه حبيبه من أخطاء تجاهه مهما كبرت وعظمت لأنَّ حبَّه يبقى أكبر من أخطاء حبيبه…

الحبيبُ الذي لا يسامح حبيبه على أخطائه حبُّه ناقص بل أنانيّ، لأنَّ من يظنُّ أنَّه يحبُّ ولا يسامح محبوبه فهو لا يحبُّ إلاَّ نفسه. فالزوج الذي يطلِّق زوجته لعلَّة تافهة، هو لا يحبُّ زوجته بل يحبُّ نفسه. والأب الذي يتبرَّأ من ولده لخطأ ما، هو لا يحبُّ ابنه بل نفسه وكبرياءه. والمرأة التي تطلب الطلاق من زوجها لأمور تافهة هي لا تحبُّ إلاَّ نفسها…

فليفحص كلُّ واحد نفسه، ويرى كم من أشخاص اختلف معهم لأنَّهم خذلوه في أمور ثانويَّة، فابتعد عنهم وما عاد يعاشرهم. عندما انتهت منفعته بل مصلحته معهم ابتعد. وما أكثر هؤلاء المبتعدين! فاحذر أن تكون منهم!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

“جاجة حفرت على رأسها عفرت”

صلاح ابو هنّود   –   مخرج وكاتب–   الأول نيوز- لم تعد تحرّكات الأساطيل مجرّد …