هل هناك أعظم!

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – أكنَّا نحتاج إلى زلزال لنعود إلى خالقنا؟

كتبتُ يومًا مقالاً مشدِّدًا على ما يرافق الإنسان من ويلات تتلو ويلات ولا تنتهي. وفي كلِّ مرَّة نردِّد قائلين: “لينجِّنا الله ممَّا هو أعظم”.

خسرت الليرة السوريَّة قيمتها أمام الأميركيّ منذ نيِّف وعشر سنوات، ولم تلبث الليرة اللبنانيَّة أن لحقت بها. فردَّدنا قائلين: “لينجِّنا الله من الأعظم”.

مرَّت سورية بحرب ضروس وما زال مواطنوها بين مهجَّر ولاجئ ومعوَّق يعيشون التشرُّد والحرمان، الجوع والعطش والعري، التنقُّل من مكان إلى آخر أو السكن في مخيَّمات تخلو من أسباب الراحة والصحَّة والعيش الكريم. ونحن نردِّد مع أبناء سورية: “لينجِّنا الله ممَّا هو أعظم”.

ومرَّ لبنان بحرب اقتصاديَّة مبرمجة، أدَّت إلى إضعافه، وخسارته مقوِّمات الحياة الأساسيَّة من طبابة واستشفاء، من بنى تحتيَّة وفوقيَّة، من كهرباء ومياه وأدوية؛ وإلى ارتفاع في الأسعار لا يُطاق، في المحروقات ووسائل التدفئة، في الموادّ الغذائيَّة مع انقطاع لبعض الموادّ الأساسيَّة لاسيَّما الحليب للأطفال. فردَّدنا قائلين: “لينجِّنا الله ممَّا هو أعظم”.

وأتى 4 آب 2020 الذي قضى على قسم كبير من العاصمة بيروت، وحوَّلها إلى أشلاء، ودمَّر القسم الأكبر من آمال كانت ما تزال تختلج في قلوب اللبنانيِّين. فجمع عدد كبير من اللبنانيِّين حوائجهم وفضَّلوا الغربة الطوعيَّة بعد غربة قسريَّة في وطنهم. ولسان حالهم يردِّد: “لينجِّنا الله ممَّا هو أعظم”.

وأخيرًا، إذا بزلزال يضرب تركيَّا وسورية ويودي بحياة ما يفوق العشرين ألف شخص، ما عدا الدمار الذي خلَّفه. واهتزَّت أرض لبنان حتَّى هرع النائمون إلى الخارج خوفًا من سقوط بيوتهم أو دمارها. وهم يردِّدون: “أتُرى هناك أعظم ممَّا حدث لنسأل الله أن ينجِّينا منه؟”

ومنذ فجر اليوم التالي لحدوث الزلزال، انهالت الصلوات على مواقع التواصل الاجتماعيّ تلتمس من الله أن يردَّ الضربات عن شعبه، وأن يبطل الزلازل والويلات الطبيعيَّة عنهم، حتَّى تظنَّ أنَّ العالم العربيّ برمَّته تحوَّل فجأة إلى مكان موحَّد للصلاة رحمة على الذين سقطوا جرَّاء الزلزال، وشفقة على من أصيبوا وتضرَّروا منه، وعونًا للذين فقدوا بيتًا يأويهم أو موضعًا يُسندون إليه رأسهم…

ولم يلبث أن خفتَ صوت الصلوات وحلَّ محلَّها التناقضات باسم الله. بينما البعض يركِّز على أنَّ الزلزال هو غضب من الله بسبب معصية البشر، راح آخرون يدافعون عن الله الذي خلق الإنسان من فيض حبِّه ولا يمكنه أن يقضي عليه من فيض عدله بطريقة مأساويَّة…

فمنذ تكوَّنت الأديان وكثر “الفلاسفة” والصراع قائم باسم الله، بعضهم يدافعون عنه وكأنَّه لا حول له ولا قوَّة، والبعض الآخر يهاجم الآخرين باسم هذا الإله عينه علَّهم يعون خطأهم ويتوبون…

ما يريده الله فعلاً هو أن نتوب إليه، لا بالإكراه ولا بالتملُّق، بل بملء حرّيَّتنا وإرادتنا. وما يريده منَّا أيضًا هو أن نحبَّه ونحترمه ونخدمه في الآخرين، لأنَّهم صورته وصنع يديه. ولينجِّنا الله ممَّا هو أعظم!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …