فادي أبو بكر – كاتب وباحث فلسطيني
الأول نيوز – تشهد العلاقات الأميركية الإسرائيلية تحولات ملحوظة منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، حيث بات واضحاً أن الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن يتبنى موقفاً حذراً تجاه الحكومة الإسرائيلية الحالية وسياساتها تجاه الفلسطينيين. وقد ترافقت هذه التحولات مع تحولات في الرأي العام الأميركي تجاه “إسرائيل” وسياستها.
أظهر استطلاع للرأي نشرته مؤسسة غالوب الأميركية في 16 آذار/ مارس 2023، أن 49 % من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع الإسرائيليين، بينما قال 38 % إنهم يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين.
وبحسب “غالوب”، فإن هذه هي المرة الأولى التي يتعاطف فيها الديموقراطيون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، منذ أن بدأت المؤسسة في تتبع السؤال في العام 2001، وتشهد مواقف الديمقراطيين تراجعاً ملحوظاً تجاه “إسرائيل” منذ منتصف عام 2010.
بالإضافة إلى الديمقراطيين ، فقد بلغ تعاطف المستقلين السياسيين الأميركيين مع الفلسطينيين أعلى مستوياته على الإطلاق عند 32 % ، على الرغم من أن ما يقرب من نصفهم ( حوالي 49% )، لا يزالون يميلون إلى الإسرائيليين. وفي المقابل فإن الغالبية العظمى من الجمهوريين بقيت مؤيدة لـ “إسرائيل” ، حيث يتعاطف 78٪ مع الإسرائيليين مقابل 11٪ للفلسطينيين ، وفقًا لاستطلاع شمل 1008 بالغين ، بهامش خطأ 4 %.
وتأتي هذه التحولات، بعد نهاية العام 2022 الأكثر دموية في فلسطين منذ 16 عاماً، فيما يبدو من الأشهر الأربعة الأولى لعام 2023 بأنه سيكون أكثر دموية وتنكيلاً من الأعوام السابقة، في ظل سطوة اليمين الإسرائيلي المتطرّف. حيث أن سياسات الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في التصعيد غير المسبوق في عمليات القتل والإعتقال، واستمرار بناء بؤر استيطانية في الضفة الغربية والقدس، و إقرار رزمة من القوانين العنصرية تجاه الفلسطينيين، إضافة إلى تصريحات وزيرا المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي إيتمار بن غفير والتهديدات المتكررة الصادرة عنهما، تعدّ انقلاباً على قواعد اللعبة والصراع في المنظور الأميركي، خاصة وأن الإدارة الأميركية الحالية تسعى إلى الإبقاء على التوازن في ظل التحولات والتطوّرات الإقليمية والدولية الدراماتيكية.
ولا يمكن إغفال تأثير الأزمة الإسرائيلية الداخلية، والتي تسبّبت بها الإصلاحات القضائية التي كان يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وحلفاؤه إلى فرضها، من أجل منح الكنيست الإسرائيلي مزيداً من السلطة على القضاء. حيث أظهرت تصريحات جو بايدن المعارضة لتوجّهات نتنياهو، في مقابل اتهام مسؤولين إسرائيليين لأميركا بتمويل الاحتجاجات ضد إصلاح القضاء، وهجوم بن غفير على بايدن بقوله ” إسرائيل ليست نجمة في العلم الأميركي”، مدى عمق الأزمة بين الحليفين.
وفيما يخص تحولات الرأي العام الأميركي، فهي ليست وليدة اليوم، حيث سبق وأن شهدت وسائل الاعلام الأميركية تحوّلاً ملحوظاً، إبّان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2021، والتي يمكن القول أنها جاءت استجابةً للثورة الرقمية التي أشعلها الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي. حيث وإن كانت هذه الوكالات منحازة إلى الاحتلال الإسرائيلي، فإنها لن تستطيع الاستمرار بتجاهل المصادر المرئية الموثّقة في وسائل التواصل الاجتماعي وحقيقة الأمر الواقع، لأنها ببساطة ستفقد سلطتها لصالح الاعلام البديل المتمثل بإعلام وسائل التواصل الاجتماعي المتاح بسهولة لدى الجمهور الأميركي وغير الأميركي.
ولعلّ جريمة اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة في 11 أيار/ مايو 2022، وما شهدته من إدانات واسعة على صعيد دول العالم، والمنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، وتصدّر اسم شيرين “الترند” السادس عالمياً على وسائل التواصل الاجتماعي، أثّر بشكل مباشر على الرأي العام الأميركي. حيث أجرت مؤسسات إعلامية أميركية تحقيقات مهنية بخصوص حادثة الاغتيال مثل: صحيفة “واشنطن بوست”، وصحيفة “نيويورك تايمز”، وقناة “سي أن أن”، ووكالة “أسوشيتد برس”، أدانت فيها بشكل واضح جنود الاحتلال، فيما وجّه 57 عضواً بالكونغرس الأميركي رسالة إلى أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، بتاريخ 19 أيار/مايو 2022 ، يطالبون فيها الإدارة الأميركية بإجراء تحقيق في الحادثة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتمسّك بدعم “إسرائيل” كحليف استراتيجي لها في المنطقة، وأن هذه التحوّلات في الرأي العام الأميركي لا تعني بالضرورة تغييراً فورياً في السياسة الأميركية، إلا أنها قد تزيد الضغوط على الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية بشكل تدريجي.
إن تحولات الرأي العام الأميركي تجعل الدور الفلسطيني في الساحة الأميركية أكثر أهمية من أي وقت مضى، ما يستوجب تفعيل وتنشيط الدبلوماسية الشعبية، من خلال إعادة تشكيل بنية تنظيمية تقود العمل في الساحة الأميركية، بما يضمن تفاعلاً مستمراً وإيجابياً مع القضية الفلسطينية، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة توحيد الصف الداخلي من أجل انتهاج استراتيجية فلسطينية جديدة سياسية وكفاحية في آنٍ واحد.