الاول نيوز – حاتم أحمد الزعبي
في لحظة تعكس ثقة العالم العربي بجيل المستقبل، تم اختيار العاصمة الأردنية عمّان “عاصمةً للشباب العربي لعام 2025”، ضمن مبادرة أطلقتها جامعة الدول العربية، بهدف إبراز دور الشباب في التنمية وتعزيز مشاركتهم في صياغة السياسات العامة، وتمكينهم من صناعة التغيير في مجتمعاتهم.
ويأتي هذا التتويج بالتزامن مع يوم الشباب العربي، الذي يُصادف 5 يوليو، مناسبة سنوية لتسليط الضوء على تطلعات وهموم الشباب في مختلف الأقطار العربية، ودعم أفكارهم وطموحاتهم التي تشكل نبض المستقبل، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
وتشير أرقام رسمية إلى أن نحو 30% من سكان الأردن هم من فئة الشباب، وهي طاقة بشرية هائلة بحاجة إلى استثمار حقيقي، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة، والتي تتطلب توفير فرص عمل حقيقية وتطوير مهارات الشباب لمواكبة متطلبات العصر الحديث وسوق العمل المتغير.
برز سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني كرمز شبابي وطني وعربي، وصوت يعبر بصدق عن تطلعات الشباب الأردني والعربي، يؤمن بقدراتهم ويعمل على إشراكهم في الحياة العامة وتعزيز مشاركتهم في صياغة مستقبلهم. وقد عبّر سموه في مناسبات عديدة عن قناعته بأن التنمية تبدأ من الإنسان، وأن الشباب هم عماد الاستقرار والتقدّم، وأنهم قادرون على إحداث التغيير الحقيقي في مجتمعاتهم.
رغم المبادرات المتنوعة، لا يزال الشباب العربي يواجه تحديات جسيمة، أبرزها البطالة، ضعف المشاركة السياسية، والفجوة بين التعليم وسوق العمل. ويُقدّر أن نحو 25% من الشباب العربي عاطلون عن العمل، وهي من أعلى النسب عالميًا. في الأردن، بلغت نسبة البطالة بين الشباب قرابة 47% بحسب تقارير رسمية عام 2024. كما أظهرت استطلاعات إقليمية أن قرابة نصف الشباب العربي يفكرون بالهجرة لأسباب تتعلق بالوضع الاقتصادي أو فقدان الأمل بمستقبل أفضل في بلدانهم، مما يهدد مستقبل التنمية والاستقرار في المنطقة.
تضاف إلى ذلك، تحديات متعلقة بالصحة النفسية، إذ يعاني عدد متزايد من الشباب العربي من الضغوط النفسية نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية غير المستقرة، مما يؤثر على قدرتهم على الاندماج في المجتمع والمساهمة في التنمية. كما تؤثر الأزمات المستمرة والصراعات في بعض الدول على فرص التعليم والعمل، ما يزيد من هشاشة أوضاع الشباب ويقيد طموحاتهم.
وفي ظل هذه التحديات، يعاني الشباب الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة، من أوضاع مأساوية، حيث يواجهون إبادة جماعية على يد الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023. تُستهدف الجامعات، ويُقتل الطلاب والمبدعون، وتُدمَّر البنية التحتية التعليمية والصحية، في محاولة لاغتيال المستقبل الفلسطيني من جذوره. ورغم ذلك، لم يتخلَّ شباب غزة عن الأمل، بل يواصلون الصمود والابتكار وسط ركام الموت والدمار. وتُظهر البيانات الفلسطينية أن أكثر من 60% من شباب غزة يعانون البطالة، فيما تزداد أعداد الشهداء من فئة الشباب يومًا بعد يوم، دون أي أفق سياسي أو إنساني لحل قريب.
إن اختيار عمّان عاصمةً للشباب العربي يشكل رسالة أمل بأن هناك من يهتم بهذه الفئة الحيوية التي تمثل مستقبل الأمة، ويدعو إلى تكاتف الجهود من أجل دعم الشباب، ليس فقط بالكلام بل عبر سياسات فعالة وبرامج ملموسة تضمن توفير فرص العمل والتعليم والتمكين، وتكفل كرامة الإنسان وحقه في الحلم. ولإنجاح هذا العام بحق، لا بد من إشراك الشباب أنفسهم في التخطيط والتنفيذ، والاستماع لأفكارهم وملاحظاتهم، وتحويل العاصمة إلى منصة تفاعلية للنقاش والتطوير، بدلًا من أن تكون مناسبة رمزية فقط. كما يجب استثمار هذا الحدث لإطلاق مشاريع ريادية، وتنظيم فعاليات تعليمية وثقافية ورياضية تُلهم الشباب، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للمستقبل، وتُعزز هويتهم الوطنية والعربية، وتدعم انخراطهم في جهود التنمية المستدامة على كافة المستويات.
فالشباب هم مستقبل الأمة، ومفتاح نهوضها… لكنهم بحاجة إلى سياسات فعلية، وأدوات تمكين، وأمل لا يُقتل تحت القصف ولا يُهدر في طوابير البطالة