أخبار عاجلة

برهومة يكتب … ماذا علّمَنا صنع الله إبراهيم؟

الاول نيوز – موسى برهومة –

 

كأنّ الذين نعوا الروائي المصري صنع الله إبراهيم، رأوا فيه، أكثر من أي شيء سواه، موقفَه الفكري والسياسي والإنساني تجاه الحرية، فامتدحوا تجذره وصلابته، حتى ليُخيّل أنّ الراحل، الذي لوّح للحياة أخيراً من مشفاه القاهري، زعيم سياسي وليس أديباً.

هذه الالتفاتة ليست جديدة، وليست مقتصرة على العرب، وحسب، بل هي نزوع إنساني عابر للثقافات يوقّر المواقف الشجاعة، ويرفع قبعته للأشخاص الذين تتوفر حياتهم وسيرتهم على الاتّساق، لاسيما إذا كانوا كتّاباً ومشتغلين بقضايا الفضاء العام، ومعبرين، بشكل أو بآخر، عن الناس، في أشواقهم وتطلعاتهم وعذاباتهم.

وفي هذا السياق، تحضر مواقف ارتفع فيها رصيد أدباء متوسطي المستوى الفني، فقط لأنّ لهم تجربة صلبة في مواجهة السلطات المتعسفة، أو تعرضوا للاعتقال بسبب مواقفهم وكتاباتهم، أو استشهدوا، أو اغتيلوا، فارتقت مكانتهم في عيون الناس، فغضّوا النظر عن الهنات الجمالية والتلكؤ الأسلوبي، وآزروا التضحيات الشخصية للكاتب، الذي دفع الثمن من حياته وهنائه وعيشه وعمله وحلمه.

في الزمن الراهن المُبتلى بالانتهازية والوصوليين، ولاعبي “الثلاث ورقات”، اختلطت الأولويات إلى حد ما، فصار النظر إلى الرصيد الذاتي الأخلاقي للكاتب يتدنى لمصلحة التماعات فنية وفرادة متناثرة هنا أو هناك. وهذا لا يقلل من دور الموهبة، بالطبع، لكنه يستدعي تساؤلات حول قدرة الأديب على الحديث عن الحرية والديمقراطية، وهو الممالئ حتى أذنيه للسلطات الغاشمة، والصامت عن قول الحق، والمغمض عينيه وقلبه عن رؤية البطش وسماعه وشمّ دخانه وباروده وغازاته السامة المسيّلة للدموع والدماء والحسرات.

 

أديب كبير في شقة صغيرة

ولما أنفق المعزّون بإبراهيم جلّ كتاباتهم وهم يعددون مآثر الراحل الذي أقام عمره في شقة صغيرة متواضعة في بناية لا مصعد فيها، رافضاً الجوائز والإغراءات المالية، انتبهوا إلى أدبه، فألفوْا أنه رائد ومجدد في الكتابة الروائية، وأنه اشتق لنفسه أسلوبية مبتكرة تضاهي شخصيته من حيث الإقدام من دون إحجام. وهذا انطباع كوّنتُه عن الأديب الراحل منذ قرأت روايته “بيروت بيروت” منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث هالني، آنذاك، قدرته على المزج المدهش بين الوثيقة والسرد الروائي، وقد أثارت الرواية حينها سجالاً متجدداً عن “التجنيس الأدبي”، إذ إنّ روايات سابقة وأخرى لاحقة ظلت تتقصد التعبير عن طموح الرواية أن تغدو وثيقة.

بدا مشروع صنع الله إبراهيم مختلفاً من حيث بنيته الفنية، ومتمرداً على قواعد الكتابة، كأنه يضمر في ذاته تصوراً بأنّ الكاتب، لا الناقد وحده، يصنع القواعد أيضاً، لكنها قواعد تقوم على تحطيم القواعد وهدم الحدود.

ثم تتالت الأيام، لتكتمل صورة إبراهيم بالتوازي مع أعماله؛ كأنه يرسم بالفحم “بروفايلاً” ذاتياً عن نفسه ونبض محيطه، وانتساباته الأيديولوجية التي ظلت منشدّة إلى اليسار والعلمانية، ومخلصة لتطلعات الناس، وبخاصة “الغلابة” منهم.

 

“تلك الرائحة”

بيْد أنّ صاحب “تلك الرائحة” لم يستسلم أمام إغراء ما تطلبه الجماهير، فقد كان معياره فنياً، مضمخاً بغلالات “كافكاوية” حيث قرأ كافكا بعمق أثناء سجنه في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي شنّ حملة ضارية ضد الشيوعيين أواخر خمسينيات القرن الماضي. لكنّ إبراهيم لم يحوّل هذه المحنة إلى “مأساوية” تحول دون تطوره ونضجه، بل استثمرها في القراءة والكتابة، حتى على ورق السجائر، كما يروي في مذكراته “يوميات الواحات” التي يقول فيها “السجن هو جامعتي؛ ففيه عايشت القهر والموت، ورأيت بعض الوجوه النادرة للإنسان، وتعلمت الكثير عن عالمه الداخلي وحيواته المتنوعة، ومارست الاستبطان والتأمل، وقرأت في مجالات متباينة، وفيه أيضاً قررت أن أكون كاتباً. أما أبي فهو المدرسة”.

أتصور أنّ صنع الله إبراهيم عاش سعيداً، في الأقل على المستويين الفكري والنفسي. وسر سعادته هو امتلاؤه بفكرة الحرية وعيشها وتجسيدها في الكتابة والحياة. فالشجاعة لديه ليست في سلوكه اليومي وممارساته الشخصية، بل أيضاً في أدبه وكتاباته. وهذا مسار، على بريقه، إلا أنه شاق ومرهق، خصوصاً في العالم العربي الذي يهيمن عليه نظام أبوي يمنح ويحجب، يعطي ويمنع، يرفع ويدنّي، وهو ما كابده إبراهيم، لكنه لم يشْكُ منه، ولم يدفعه إلى تغيير مساره، أو النكوص على مشروعه الذاتي والفني.

ربما كان المشيّعون للأديب المصري، من قرب ومن بُعد، يستبطنون صورة البطل الثاوية في لاوعيهم، معطوفة على نبالة نادرة رأواها في شخص مَن رفض قبول “جائزة الرواية العربية” في القاهرة عام 2003 لأنها “صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد” وتطبّع مع إسرائيل.

الناس تبجّل الأبطال الحقيقيين، حتى لو كانوا بسطاء مغمورين، كما فعل المواطن المصري خالد شوقي الذي أنقذ حياً كاملاً من الحريق في محافظة الشرقية في يونيو (حزيران) الماضي، حين قاد شاحنة مشتعلة ليبعدها عن محطة الوقود إلى منطقة خالية، فمات احتراقاً، لكنه سيعيش أبداً خالداً منيراً في ذاكرة الناس والتاريخ.

الضمير أساس الأخلاق

وليس في استذكار شجاعة صنع الله إبراهيم، والثناء على بطولة خالد شوقي، سوى تحفيز على البذل، من دون انتظار، ومن دون حساب، ومن دون إقامة موازنة بين الربح والخسارة، وهذا أمر يعوز الناس في أزمنة الارتداد التي نعيش في أتونها، في ظل سيادة ثقافة “الشطارة” و”الفذلكة” و”الفهلوة” و”الحذلقة” و”اللعب على الحبال”.

ما فعله إبراهيم وشوقي، على تباين وضعيهما، وما فعله كتّاب وفنانون وأشخاص عاديون قبلهما، وما سيفعله مَن سيأتي بعدهما، يستدعي إعادة النقاش حول أهمية السلطة الأخلاقية وتأثيرها في السلوك الحياتي والخيارات الفكرية، إذ ساد اعتقاد أنّ الحداثة وما بعدها أنتجت تحولات جذرية في المفاهيم والقيم الأخلاقية التقليدية. كما ابتكر بعضهم مفهوم “تعددية أخلاقية” تنفي أو تتجاوز فكرة “الأخلاق الكونية” التي جادل فلاسفة كثيرون في إمكانية تبلورها والاتفاق على عناصرها.

بيْد أنّ الأمر المتصل بموضوع هذه المقالة ينشد التأكيد على أنّ القرارات الأخلاقية التي يتخذها الإنسان في حياته وسلوكه وكتابته، ناجمة عما يسميه المفكر الأمريكي تشارلز لامور (1950 – ) “الضمير الأخلاقي” الذي هو أساس الأخلاق. ويرى لامور في كتابه “الحداثة والأخلاق” الذي قام بترجمته والتعليق عليه المفكر الجزائري الزواوي بغورة، وصدر عن دار صوفيا بالكويت (2022) أنّ إنسان الحداثة هو الذي يسعى وراء الاستقلالية الذاتية، لأنّ “صورة الإنسان المستقل تؤدي في مجال الأخلاق الحديثة دور المَثل الأعلى، ولكن ما يجب التشديد عليه هو أنّ هذه الاستقلالية ليست تلقائية أو آلية، بل هي على العكس من ذلك؛ إنها تتطلب من الإنسان أن يتعلم تجنب الإغراءات التي تقف في طريق استقلاليته، وأن يتحلى بالشجاعة اللازمة، وأن يؤكد من خلال ممارسة استقلاليته قدرته على فصل نفسه عن ظروف معينة، حتى يتمكن من التحكم في نفسه، وفقاً لضميره وعقله في الوقت نفسه”.

عن Alaa

شاهد أيضاً

جامعة اليرموك: خمسون عاما من الإنجاز والريادة

الأول نيوز – د. مارسيل جوينات تحتفل جامعة اليرموك هذا العام باليوبيل الذهبي، مناسبة تمثل …