وجع السودان… من اللاءات الثلاث إلى خرائط الفتنة الجديدة

د. أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –

 

في عام 2006 كنتُ أول موظف في الأمم المتحدة يدخل إقليم دارفور تنفيذًا لاتفاقية السلام التي وُقّعت بين حكومة السودان وحركات التمرّد في الإقليم، بعد سلسلةٍ من المجازر البشعة التي اقترفتها ميليشيات “الجنجويد”. كان الهدف من تلك الاتفاقية طيَّ صفحة الدم وبناء مرحلة جديدة من السلام والمصالحة، وقد تضمّنت بنودها دمج عناصر الجنجويد ضمن القوات المسلحة السودانية تحت شعار “توحيد السلاح تحت راية الدولة”.
لكن، ويا للمفارقة! ما كان يُفترض أن يكون بوابة للسلام تحوّل مع مرور السنين إلى باب جحيمٍ جديد.
يعيش السودان اليوم مأساة مركّبة تتجاوز حدود الحرب الأهلية، لتتحوّل إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، تتقاطع فيها مصالح وأطماع قوى كثيرة. غير أن المتتبع بوعي لتاريخ هذا البلد العربي الغني بخيراته وموارده، يكتشف أن أكثر المستفيدين من وجعه ليست القوى المحلية ولا حتى الإقليمية، بل إسرائيل التي رأت في السودان منذ عقود “الخاصرة الرخوة” للعالم العربي، والطريق المفتوح نحو إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
منذ مؤتمر الخرطوم الشهير عام 1967، الذي أعلن فيه العرب “لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل”، حملت تل أبيب في ذاكرتها جرحًا سياسيًا لا يُمحى. ومنذ تلك اللحظة، بدأت العمل سرًا على زعزعة استقرار السودان، وفتحت قنوات اتصال مع المتمردين في الجنوب، وقدّمت لهم دعمًا لوجستيًا وتدريبًا عسكريًا متواصلًا، إلى أن تحقق هدفها الأول بانفصال جنوب السودان عام 2011.
وكانت إسرائيل تبرر تدخلها حينها بأن السودان يشكل تهديدًا لأمنها القومي بسبب علاقاته مع إيران، وزعمت أن طهران تستخدم الأراضي السودانية لنقل الأسلحة إلى حماس في غزة وحزب الله في لبنان. غير أن الحقيقة كانت أعمق: إسرائيل كانت تخطط لتفكيك السودان وإضعافه، لا لحماية نفسها.
لم تتردد إسرائيل في استخدام القوة المباشرة، إذ شنّت ثلاث غارات جوية على قافلة شاحنات في غرب السودان عام 2009، بحجة أنها تحمل صواريخ إلى غزة. ثم قصفت في عام 2012 مصنع “اليرموك” للأسلحة في الخرطوم، وفي عام 2014 استهدفت مخزن أسلحة وسط الأحياء السكنية في العاصمة. كل هذه العمليات كانت تندرج تحت ذريعة “منع تهريب السلاح”، بينما هدفها الحقيقي هو ضرب البنية الصناعية والعسكرية السودانية الناشئة.
بعد ثورة 2019 التي أطاحت بنظام البشير، تنفس السودانيون الصعداء، وبدأت ملامح استقرار سياسي مع المجلس السيادي برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي). لكن إسرائيل لم تدع هذا الاستقرار يرى النور؛ فبينما كانت وزارة الخارجية الإسرائيلية تبني علاقات مع البرهان، كان الموساد ينسج خيوط التواصل مع حميدتي. وهكذا، غرست إسرائيل بذور الانقسام داخل الجيش السوداني نفسه، لتتحول البلاد إلى مسرح لحرب عبثية أحرقت البشر والشجر.
السودان بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لجعل أفريقيا والعالم العربي في مكان مختلف: معادن، ذهب، أراضٍ زراعية، ونفط، فضلًا عن إطلالته الواسعة على البحر الأحمر. وهذه كلها تشكل إغراءً استراتيجيًا لإسرائيل التي ترى أن السيطرة على الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر تمنحها نفوذًا يتجاوز حدودها الجغرافية، ويؤمن طريقًا اقتصاديًا وعسكريًا نحو إفريقيا وآسيا.
إنها حرب على مستقبل السودان، بقدر ما هي حرب على هوية الأمة العربية.
تسعى إسرائيل منذ قيامها إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على مقاسها، عبر تفتيت الدول المحيطة بها، وإغراقها في الصراعات الداخلية، لتظل هي القوة المهيمنة الوحيدة. وما يجري في السودان اليوم ليس سوى فصل جديد من هذا المخطط الطويل.
إن وجع السودان ليس محليًا؛ هو وجع عربي جامع، يذكّرنا بأن التهديد الحقيقي للأمن القومي العربي لا يأتي من الفقر أو الانقسام فحسب، بل من الأطماع الصهيونية التي تتغذى على ضعفنا وتفرقنا.
ولهذا فإن نصرة السودان اليوم هي واجب قومي وأخلاقي، ليس فقط لحماية أرضه، بل لحماية ما تبقى من كرامة الأمة ومستقبلها.
لقد كنت شاهدًا على بدايات الأمل في دارفور، وشاهدًا اليوم على سقوطه المريع. فإقليم السلطان علي بن دينار — الرجل الذي كان يكسو الكعبة الشريفة من حرّ ماله كل عام — عاد ليُغرقه الدم، لا بيد غازٍ أجنبي، بل بأيدي أبناء الوطن الواحد الذين استُدرجوا إلى لعبة السلطة والثأر.
الأردن، وكعادته، لم يكن يومًا بعيدًا عن معاناة الشعوب ولا عن محاولات ترميم الجراح.
الأردن، وكعادته، لم يكن يومًا بعيدًا عن معاناة الشعوب ولا عن محاولات ترميم الجراح.
فمنذ ثمانينات القرن الماضي، أرسل مستشفى ميدانيًا تابعًا لوزارة الصحة إلى مدينة “الكاس” في دارفور، في وقتٍ كان فيه العالم يتجاهل هذا الإقليم المنكوب. لقد كان ذلك الموقف الأردني المبكر تجسيدًا حقيقيًا لدور المملكة الإنساني والعربي في محيطٍ تتنازعه الصراعات والمصالح الضيقة.

عن Alaa

شاهد أيضاً

طِقْسُ الشَّنْفَرَى.. كيف حوّل منذر رياحنة أبطال الرمال إلى فيلم من خمس مراحل ألم

الأول نيوز – لا تُبنى خماسية الشنفرى في مسلسل أبطال الرمال بوصفها سردًا لحياة شاعر …