الأول نيوز – تحت سماء مشبعة بالغيوم، ومع رياح قوية وبرودة قارسة، يواجه مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة فصولاً جديدة من المعاناة، إذ حول المنخفض الجوي الشديد مخيمات الإيواء والميادين العامة إلى مستنقعات من المياه والبرد، في وقت لا تقوى فيه الخيام المتهالكة على صد الرياح، وتخترق الأمطار الغزيرة الأغطية الممزقة مما يزيد معاناة السكان.
منذ فجر أمس، بدأت الأمطار تهطل بغزارة، ما أدى إلى غمر آلاف الخيام بالمياه وتضرر المأوى الوحيد لمئات آلاف العائلات النازحة، حيث وصل منسوب المياه داخل بعض الخيام إلى 50 سم، كما ناشد نازحون الجهات الإنسانية التدخل العاجل لإنقاذهم بعد غرق ممتلكاتهم وفقدان القدرة على الاحتماء من البرد، في ظل تحذيرات من تفاقم المخاطر الصحية والغرق داخل المخيمات إذا استمرت الأمطار والبرد دون تدخل عاجل.
خيام متهالكة
المواطنة روان السحار هربت من خيمتها المثقوبة تحت وطأة البرد القارس، محاولة حماية أطفالها الثلاثة من الأمطار الغزيرة بعد أن غمرت المياه خيمتهم بالكامل، إذ تعيش وعائلتها في مخيم إيواء عشوائي غرب مدينة غزة يفتقد لأدنى مقومات الحياة، حيث تتكدس الأسر في خيام متهالكة لا توفر الحد الأدنى من الحماية من البرد أو الرطوبة.
تقول السحار وهي مبللة من مياه المطر: “لم نعد نملك مأوى يحمي أطفالنا، والخيام الممزقة لا تقينا من البرد والمطر، كل شيء غرق، حتى الأغطية التي نملكها لم تعد توفر حماية، ونحن بحاجة ماسة لتدخل عاجل لإنقاذنا قبل أن تتفاقم المعاناة.”
وتضيف أنّ “العائلة حاولت تغطية الثقوب بأغطية وأقمشة إضافية، لكنها لم تكن كافية”، مشيرة إلى أنّ “الطقس السيئ والخيام المتهالكة يضاعف من خطر الأمراض ويهدد حياة الأطفال بشكل يومي”، مشيرةً إلى أنّ بعض الأسر بدأت تبحث عن طرق بديلة للخروج من المخيم، رغم خطورة التنقل تحت الأمطار والرياح الشديدة.
وتؤكد السحار أنّ الوضع لا يقتصر على فقدان المأوى فحسب، بل يشمل فقدان معظم الممتلكات الأساسية، بما في ذلك الملابس والطعام والأدوات اليومية، مما يزيد هشاشة العائلات أمام الأزمة الإنسانية المتفاقمة، داعيةً إلى توفير الكرافانات والأغطية والمواد الأساسية لكل الأسر المتضررة فوراً.
المؤسسات الإغاثية غائبة عن الأزمة
وبرغم الكارثة التي خلفها المنخفض الجوي على مئات آلاف النازحين وسكان المخيمات، من غرق آلاف الخيام وانهيار عدد من المنازل المدمرة، لم تسجل أي استجابة فعلية من مؤسسات الإغاثة الدولية على الأرض، مما يزيد من معاناة العائلات المتضررة ويعرض حياة الأطفال والأسر للخطر المباشر.
في حديثه يؤكد محمود وادي أنّ خيمته وأسرته تأثرت بشكل كامل بالمنخفض الجوي الحالي، حيث اقتلعت الرياح الشديدة خيمته رغم محاولته تثبيتها بأغطية نايلون وأقمشة وشوادر، مبيناً أنّه يحاول تأمين خيمة أخرى أو مكان بديل في مخيم الإيواء لحماية أسرته، لكنه لم ينجح حتى الآن في العثور على مأوى آمن أو خيمة وسط الظروف الصعبة.
ويشير وادي إلى أن المؤسسات والمنظمات الدولية العاملة في غزة لم تقدم له أي مساعدات، سواء أقمشة أو شوادر أو نايلون يمكن أن يحميه هو وأسرته من المطر والبرد القارس، مشدداً على أنّ تكلفة من الصفيح، أو حتى من الباطون، في الأوضاع المستقرة.
مباني آيلة للسقوط
وفي سياق موازٍ، يعيش سكان المنازل المدمرة جزئياً حالة رعب دائم، فهم ليسوا أفضل حالاً من سكان الخيام. فبعض البيوت فقدت جدرانها بالكامل، وتم تغطية الفراغات مؤقتًا بأغطية وشوادر وأخشاب، مع بقاء خطر انهيار المنزل على رؤوس السكان قائماً في أي لحظة.
وشهد حي النصر شمال مدينة غزة انهيار منزل مكوّن من ثلاثة طوابق نتيجة الأمطار الغزيرة المصاحبة للمنخفض الجوي، ما يبرز حجم الخطر الذي يهدد الأسر المقيمة في البيوت المدمرة جزئياً وسط استمرار الطقس السيئ.
يقول الشاب إبراهيم حمدان إنّه أمضى أكثر من شهر ونصف في محاولة ترميم غرفة ومطبخ وحمام داخل منزل مكوّن من ثلاثة طوابق، بعدما كان منزله الأصلي قد تدمّر.
ويوضح أنّه أنفق ما يزيد على ثلاثة آلاف دولار على الأخشاب والشوادر وأعمال السباكة، لكنّ الرياح العاتية التي رافقت المنخفض السابق اقتلعت كل ما بناه خلال ساعات، مبيناً أنّه اضطر لاحقاً إلى إعادة تثبيت بعض الشوادر التي استُخدمت بديلاً عن الجدران، رغم أنّ التقييم الهندسي للمنزل يؤكد بأنه غير صالح للسكن نهائياً.
ويضيف حمدان: “نعيش منذ أيام في خوف لا ينتهي؛ فمجرد هبوب الرياح يكفي ليجعلنا نشعر بأن هذا المنزل المتهالك قد ينهار فوق رؤوسنا في أي لحظة”، مؤكدًا أنّه ليس سوى واحد من آلاف العائلات التي تواجه المصير ذاته.
استشهاد رضيعة ومخاطر صحية
وصباح اليوم، استشهدت طفلة رضيعة في خان يونس جنوب قطاع غزة، بعد أن جرفت مياه المنخفض الجوي خيام النازحين في المنطقة، في واحدة من أشد الحوادث مأساوية منذ بداية موجة البرد الحالية.
بدوره، يحذّر مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش، من إمكانية وفاة أطفال وكبار سن ومرضى خلال الساعات القادمة، نتيجة الانخفاض الكبير في درجات الحرارة داخل الخيام المغمورة بالمياه.
ويوضح أنّ الرطوبة الشديدة وتسرّب المياه إلى داخل أماكن الإيواء تهيئ بيئة خصبة لانتشار أمراض الجهاز التنفسي، في وقت يعجز فيه المرضى عن الوصول إلى أي رعاية صحية بسبب انهيار النظام الطبي.
انهيار المنظومة الخدماتية
وبحسب إحصائيات الدفاع المدني والأمم المتحدة، فإن أكثر من 250 ألف عائلة تتأثر مباشرة بهذه الظروف، ويحتاج القطاع بصورة عاجلة إلى 300 ألف خيمة ووحدات سكنية مؤقتة لتعويض الخسائر وتوفير مأوى آمن للنازحين.
وفي السياق ذاته، يحذّر جهاز الدفاع المدني في غزة من كارثة حقيقية ينذر بها المنخفض الجوي المتعمّق، مؤكداً أنّ الحل الحقيقي لإنقاذ النازحين يكمن في إدخال “الكرافانات” وليس في استبدال خيمة بأخرى.
المتحدث باسم الجهاز محمود بصل، يقول إنّ القطاع يشهد أمطاراً غزيرة ورياحاً تصل سرعتها إلى 60 كم/ساعة، ما قد يؤدي إلى اقتلاع الخيام وتفاقم حجم الدمار الإنساني، في ظل انهيار المنظومة الخدماتية وعدم قدرتها على تقديم المساعدة.
ويشير بصل إلى أن الساعات القادمة ستكون “خطيرة وصعبة”، موضحاً أن طواقم الدفاع المدني رصدت حالات غرق واسعة داخل مراكز الإيواء، وارتفاعاً في منسوب المياه، وتلفاً شاملاً لأغطية وفُرُش النازحين الذين لا يملكون أي بديل.
ويؤكد بصل أنّ ثلاثة مبانٍ سكنية انهارت صباح اليوم في مدينة غزة نتيجة تأثير المنخفض الجوي العميق الذي يضرب القطاع، مؤكدًا أنه “لم تُسجَّل أي إصابات”، داعياً المواطنين إلى عدم السكن في المباني الآيلة للسقوط، محذرًا من خطورة بقائها قائمة في ظل استمرار الأحوال الجوية المتقلبة.
القطاع يحتاج 300 ألف خيمة جديدة
من جانبه، يحذّر رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، من تفاقم الكارثة في مخيمات النزوح، لافتاً إلى يعيش نحو مليون ونصف المليون نازح أوضاعًا شديدة القسوة داخل خيام ممزقة تضررت بالحرب والمنخفضات المتتالية.
ويبين الثوابتة أنّ القطاع يحتاج إلى 300 ألف خيمة جديدة، بينما لم يدخل سوى 20 ألف خيمة فقط، أي ما يعادل 7% من الاحتياج الكلي
ويلفت الثوابتة إلى أنّ المنخفض الجوي السابق أغرق عشرات آلاف الخيام، وحوّل مناطق النزوح إلى مساحات مغمورة بالمياه والطين، مقدّراً الخسائر بأكثر من 3.5 مليون دولار نتيجة انهيار بنية الإيواء المؤقتة. (الهدف)