الأول نيوز – صلاح ابو هنود
مخرج وكاتب
لم تعد جرائم الاحتيال الإلكتروني مجرد أخطاء تقنية أو خسائر مالية عابرة، بل تحوّلت إلى ظاهرة أخلاقية معقّدة تمسّ معنى الإنسان وعلاقته بالعالم. نحن أمام نمط من الجريمة لا يُقاس بحجم المال المفقود، بل بعمق الأثر الذي يخلّفه في النفس البشرية، إذ يقوم الاحتيال المنظّم على وعي كامل بالفعل ونتائجه، وعلى تخطيط مسبق يستثمر في فهم دقيق للنفس الإنسانية: كيف تُبنى الثقة، وكيف يُزرع الأمل، وكيف يُدار الانتظار حتى يتحوّل الصبر إلى استنزاف. في هذا السياق لا يُهاجَم الإنسان مباشرة، بل يُقاد بهدوء إلى مساحة يعتقد فيها أنه آمن، شريك، أو جزء من مسار مشروع، وحين يطالب بحقه الواقعي، بالتحقق، بالملموس، بالفعل الحقيقي، يُغلق المسار فجأة ويُترك وحيدًا أمام فراغ صامت. الخسارة هنا لا تتوقف عند المال، بل تمتد إلى الإحساس بالأمان، والثقة بالآخر، وتلك العلاقة البسيطة بين الجهد والنتيجة، بين العمل والعدالة، وهي خسارة تمسّ الكرامة الإنسانية في عمقها وتترك أثرًا نفسيًا طويل الأمد. من منظور فلسفي وأخلاقي، تُقاس الجريمة بدرجة الوعي والنية، والاحتيال المنظّم يقوم كاملًا على الوعي، وعي بتأثير الفعل، وعي بضعف الضحية، وعي بأن الضرر ليس عابرًا بل متراكمًا. الأخطر من الجريمة ذاتها هو الخطاب الاجتماعي الذي يميل أحيانًا إلى تحميل الضحية مسؤولية ما جرى، وكأن الثقة خطيئة، وكأن حسن الظن عيب، وكأن النجاة الأخلاقية لا تكون إلا بالشك الدائم، وهو منطق لا يحمي المجتمع بل يطبع الجريمة ويُضعف مناعته. إن اختزال الاحتيال الإلكتروني بوصفه مشكلة فردية يُغفل حقيقته كظاهرة منظّمة تتطلب وعيًا عامًا وتشريعات مواكبة ودعمًا نفسيًا وقانونيًا حقيقيًا للضحايا، لأن الصمت لا يمنع الجريمة، وتقزيم التجربة لا يحمي أحدًا، وحدها الكلمة المسؤولة حين تُقال بصدق تعيد الاعتبار للإنسان وتضع الجريمة في موضعها الصحيح بوصفها اعتداءً على المعنى قبل أن تكون اعتداءً على المال، فالدفاع عن الضحايا ليس تعاطفًا عاطفيًا بل موقف أخلاقي ضروري، لأن المجتمع الذي يحمي كرامة أفراده هو وحده القادر على مواجهة الجرائم الجديدة التي تتخفّى خلف الشاشات والأسماء المزيّفة.