صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب
الأول نيوز – ليس أخطر ما تواجهه الأوطان نقص الموارد، بل تآكل الوعي.
فالاقتصاد يمكن ترميمه، والسياسة يمكن إصلاحها، أمّا الوعي إذا شاخ أو انكسر، تعطّلت معه البوصلة، وتحوّل الجهد إلى دوران في المكان.
تجديد الوعي في الأردن ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا عابرًا، بل ضرورة وجودية.
فهذا البلد لم يُبنَ يومًا على فائض الإمكانات، بل على وضوح الفكرة، وعلى الإنسان بوصفه القيمة الأعلى. وحين يضعف الوعي، لا تهتز الدولة فورًا، بل يهتز فهمنا لها، فنُحمّلها ما لا تحتمل، أو نُفرغها من معناها.
من وعي الشكوى إلى وعي المسؤولية
أحد أخطر ما أصاب وعينا الجمعي هو الانتقال من السؤال: كيف نُصلح؟ إلى السؤال: من نلوم؟
فالمواطنة ليست مطالبة دائمة، والدولة ليست خصمًا أبديًا.
الوعي المتجدد يرى العلاقة شراكة لا صراعًا، ويؤمن أن النقد الحقيقي لا يهدف إلى الهدم، بل إلى حماية الفكرة الأساسية: فكرة الوطن.
من العصبيات إلى الهوية الجامعة
كلما ضاق الوعي، اتسعت العصبيات، وكلما اتسع، تراجعت الهويات الضيقة أمام هوية الوطن.
الأردن لم يكن يومًا مجموعة متفرقة، بل معنى واحد بتجليات متعددة.
الاختلاف فيه مصدر غنى، لا ذريعة انقسام، شرط أن يكون محكومًا بسقف وطني جامع لا يُكسر.
من استهلاك الخطاب إلى إنتاج الفكرة
نعيش زمن الضجيج: كلام كثير، وفعل قليل.
يُعاد تدوير الغضب كما تُعاد تدوير الشعارات، دون أن يتحول ذلك إلى مشروع أو رؤية.
تجديد الوعي يعني الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن الانفعال إلى التفكير، ومن الخطاب السريع إلى الفكرة العميقة القابلة للحياة.
وعي الدولة ووعي المواطن… مسؤولية متبادلة
لا نهضة بوعي أحادي.
الدولة مطالبة بخطاب صريح، يعترف بالتحديات، ويستعيد ثقة الناس بالفعل لا بالشعارات.
والمواطن مطالب بوعي أخلاقي في الممارسة اليومية: احترام القانون، إتقان العمل، وحماية المجال العام من الفوضى واليأس.
الوعي كقيمة أخلاقية
تجديد الوعي ليس تراكم معلومات، بل إعادة بناء منظومة أخلاقية في الفضاء العام:
أن نختلف دون تخوين،
وأن نعارض دون كراهية،
وأن نطالب دون ابتزاز،
وأن نفهم أن قوة الأردن لم تكن يومًا في الصراخ، بل في الحكمة وضبط النفس.
خاتمة
في لحظة صدق نادرة، أثبت المنتخب الوطني الأردني، بكل ما فعل وما جسّده، أنه الوصفة السحرية للوحدة الوطنية؛
حين اجتمع الأردنيون خلف قميص واحد، سقطت الهويات الضيقة، وتقدّمت الهوية الجامعة،
فكان الانتصار وعيًا قبل أن يكون نتيجة،
ودرسًا عميقًا يقول: حين يتجدد الوعي، تتجدد الدولة،
وحين يتوحّد الأردنيون حول فكرة الوطن، لا يُهزم الأردن