صلاح ابو هنّود –
- مخرج وكاتب –
الأول نيوز – يحزن صديقي على حفيدته ذات السنوات السبع، التي تُوقَظ كل صباح بعنف الإيقاع المختل؛ تصحو بعصبية شديدة، تبكي وتغضب، ترفض النهوض، يتصادم جسدها مع الضوء والصوت لأن كيمياء نومها لم تكتمل، وكأنها تُسحَب من الليل قسرًا إلى نهار لم تستعد له. تذهب إلى المدرسة بمزاج مثقل لا يشبه طفولة يُفترض أن تبدأ بالضحك، وتعود نائمة في الباص، لا ترى الطريق ولا الناس ولا صباح البلاد.
لكن حزن صديقي لا يقف عند سرير طفلة سُرق نومها، بل يتّسع إلى بيتٍ كامل اختلّ إيقاعه، وإلى مجتمع انقلب زمنه كما ينقلب الماء الصافي فيتعكّر كله دفعة واحدة، فلا يعود صالحًا للشرب… ولا للحياة.
الأطفال هم أول ما نراه، لأنهم الأضعف، لكن الاعتكار لا يصيبهم وحدهم.
آباء يذهبون إلى أعمالهم بأعصاب مشدودة وإرهاق مزمن،
نساء عاملات يُطالبن بالإنتاج بجسد لم ينل حقه من الراحة،
طلاب يحفظون ولا يفهمون، وسائقون يقودون وهم نصف يقظين.
هذا ليس نقاشًا تقنيًا حول ساعة إضافية من الضوء، بل تسميم بطيء للإيقاع الحيوي للمجتمع. حرمان النوم لا يصنع إنسانًا أكثر انضباطًا وانتاجا، بل مجتمعًا أكثر توترًا، أقل تركيزًا، وأكثر قابلية للأخطاء والحوادث والانفجارات اليومية الصغيرة.
الماء المعتكر لا يُشرب، ومن يشربه يمرض.
وكذلك المجتمع حين يُعكَّر زمنه قسرًا: يضعف، يختل، ويدفع الثمن بصحته وسلامته ومستقبل أجياله.
إن استمرار هذا القرار ليس مسألة إدارية أو تفضيل زمني، بل خطر وطني حقيقي.
فالأوطان لا تنهار بضربة واحدة، بل حين يُطلب من أجيالها كلها أن تتكيّف مع الخلل… بدل أن يُصحَّح الخلل نفسه.
هذه دعوة عاجلة للمراجعة الفورية: أوقفوا التوقيت الصيفي قبل أن يشرب المجتمع كله من الماء المعتكر، قبل أن يُدفع ثمن التجربة على صحة الأطفال، ونسائهم، وطلابهم، ومستقبل الأردن كله.