صلاح ابو هنّود –
مخرج وكاتب
الأول نيوز – لم يعد العالم يقف على حافة الخطر مجازًا، بل يعيش فوقه فعليًا. مصير البشر، المدن، والذاكرة الإنسانية بات معلّقًا بقرارات قوى تمتلك من أدوات الفناء ما يكفي لإعادة الكوكب إلى الصفر. لم تعد المسألة صراع مصالح فقط، بل صراع على معنى الوجود نفسه: هل ما زال الإنسان قيمة، أم أصبح تفصيلًا يمكن شطبه؟
القوى الكبرى اليوم قادرة على تحقيق الفناء، لا كإحتمال نظري، بل كخيار جاهز. بضغطة زر، أو حساب سياسي بارد، يمكن تحويل العامر إلى خراب، والغني بالحياة إلى هشيم، كأن ما كان نابضًا بالأمس لم يكن. هكذا يصبح العالم قويًا في سلاحه، هشًّا في جوهره، متخمًا بالقوة وفقيرًا في الحكمة.
الخطر لا يكمن فقط في امتلاك أدوات التدمير، بل في الاعتياد عليها، في تسميتها “توازن ردع”، وفي التعامل مع إمكانية الإبادة كجزء طبيعي من إدارة العالم. عندها لا تعود الكارثة مرتبطة بالحرب وحدها، بل بالخطأ، بالغرور، أو بلحظة جنون سياسي عابر.
غزّة مثال صارخ على هذا التحوّل الخطير. مكان كان عامرًا بالحياة رغم الحصار، مزدحمًا بالناس والذاكرة والعمل والأمل المحدود، تحوّل خلال زمن قصير إلى مساحة دمار لا تصلح للعيش. لم يكن ذلك بفعل كارثة طبيعية، بل بفعل قوة قررت أن تختبر حدودها على الأضعف. لم يُدمَّر الحجر فقط، بل جرى تدمير شروط الحياة ذاتها: الماء، الكهرباء، المستشفيات، المدارس، البيوت، وحتى الإحساس بأن الغد ممكن.
غزّة لم تُمحَ في الخفاء، بل على مرأى من العالم. أمام قوانين دولية حاضرة في النصوص، وغائبة في الفعل، وأمام ضمير عالمي اعتاد التبرير أو الصمت. ما حدث هناك لم يكشف فقط حجم الدمار، بل كشف هشاشة النظام الدولي، وعجزه الأخلاقي، وانكسار الميزان الذي يفترض أن يحمي الإنسان لا أن يراقب فنائه.
المخيف في غزّة أنها ليست استثناءً. هي رسالة قاسية تقول إن أي مكان في العالم قابل لأن يتحول إلى ركام، متى ما اختل ميزان القوة، ومتى ما خرج الإنسان من المعادلة. حين يُقنع القوي نفسه بأن قوته حق مطلق، ويُقنع الضعيف بأن ضعفه قدر، يصبح الخراب مسارًا لا حادثة.
هكذا يقف العالم اليوم على كفّ عفريت:
ترسانات هائلة،
خطاب حضاري متآكل،
وإنسان يدفع الثمن.
هذا ليس تشاؤمًا، بل إنذار.
إنذار بأن الحضارة التي تعيد إنتاج قانون الغاب، حتى بأدوات حديثة، تحفر نهايتها بيدها.
وأن العالم، إن لم يستعد معنى العدالة والإنسان، قد يستيقظ يومًا ليجد نفسه هشيمًا…
كأن ما كان عامرًا بالأمس
لم يكن.