الأول نيوز – صلاح أبو هنّود
– مخرج وكاتب –
الفقر ليس حالة اقتصادية طارئة ولا رقمًا في جداول الإحصاء، بل كسرٌ عميق في البنية الأخلاقية للمجتمع. هو اللحظة التي يتراجع فيها معنى العدالة، ويتحوّل فيها المال من أداة تداول إلى أداة سلطة، ومن وسيلة حياة إلى معيار قيمة الإنسان. حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يكون الفقراء وحدهم ضحاياها، بل يصبح المجتمع كله في حالة اختلال صامت.
عبر التاريخ، كلما اتّسعت الهوّة بين من يملكون ومن لا يملكون، تآكل ما يمكن تسميته العقد الاجتماعي. القانون يبقى مكتوبًا لكنه لا يعمل، والمؤسسات تبقى قائمة لكنها لا تصل، والوعود تتكاثر بينما الواقع يزداد قسوة. في هذا الفراغ، لا ينتظر الناس إصلاحًا مؤجّلًا، بل يبحثون عمّن يملك القدرة على الفعل، أيّ فعل، ولو كان خارج الواقع.
هكذا يولد الصعلوك، ويظهر الشاطر، ويتقدّم القبضاي، وتتشكل في كل ثقافة نسخة محلية من النموذج ذاته. هؤلاء لا يأتون من فراغ، ولا يهبطون من خارج المجتمع، بل يخرجون من قلب الفقر نفسه. هم نتاج بيئة سمحت لسطوة المال أن تتوحّش، وللفقر أن يتحوّل من حالة عابرة إلى مصير دائم.
في المخيال الشعبي، لا يُنظر إلى هذه النماذج بوصفها مجرمة خالصة، بل كقوى قادرة على كسر احتكار الظلم. الناس لا تحب العنف، لكنها تحب من يردّ الإهانة حين يعجز القانون، ومن يواجه المتغطرس حين يغيب الرادع. لذلك يتحوّل هؤلاء إلى ملاذ نفسي واجتماعي، يُحبّهم الفقراء، ويخافهم الأغنياء، ويغضّ المجتمع الطرف عن تجاوزاتهم ما داموا يحققون توازنًا مفقودًا.
لكن هذه المحبة ليست بريئة، ولا هذه النماذج آمنة. فالقوة التي تولد دفاعًا عن الفقراء تحمل في داخلها بذرة تحوّلها إلى سلطة. ومع الزمن، يصبح الاستثناء قاعدة للمساءلة.
ما يحدث هنا ليس انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، بل نتيجة طبيعية لعجز جماعي طويل الأمد. الفقر حين يُترك بلا معالجة لا ينتج الجوع فقط، بل ينتج منظومة قيم بديلة، تبرّر العنف، وتقدّس القوة، وتعيد تعريف العدالة بوصفها قدرة لا حقًا. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة، يطارد فيها نتائج فشله بدل أن يواجه أسبابه.
هذه الظاهرة ليست حكرًا على العرب ولا على زمن بعينه. تتكرّر في مدن العالم كلّها حين تتشابه الشروط: تهميش، بطالة، تفاوت طبقي، وانسحاب الدولة من دورها الاجتماعي. تختلف الأسماء والملامح، لكن الجوهر واحد: حين يغيب القانون العادل، يتقدّم الأقوياء، وحين يعجز المجتمع عن حماية أضعف أفراده، يسلّم مصيره لنماذج ولدت من رحم هذا العجز.
الفقر، في جوهره، ليس قدرًا ولا لعنة سماوية، بل نتيجة خيارات مؤجّلة وسياسات ناقصة وصمت طويل. وحين لا يُعالج من جذوره، لا يحق للمجتمع أن يتفاجأ بالنماذج التي ينتجها، ولا بالمحبة التي ينالها من يشعرون أنه لم يترك لهم سوى الاحتماء بالظل بدل الوقوف في الضوء.