نحن وهم

الدكتور احمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –
لم يكن انتشار الإسلام في مساحات واسعة من العالم نتيجة تفوق عسكري أو فرض بالقوة، كما يروّج البعض، بل كان في جوهره انتشارًا أخلاقيًا وحضاريًا سبق أي حضور سياسي أو عسكري. فالتاريخ، حين يُقرأ بإنصاف، يبيّن أن شعوبًا كاملة اعتنقت الإسلام لأنها رأت في سلوك المسلمين عدلًا، وفي تعاملهم أمانة، وفي منظومتهم القيمية إنسانية افتقدتها في تجارب حضارية أخرى.
جنوب شرق آسيا يمثّل المثال الأوضح على ذلك. دول كبرى مثل إندونيسيا وماليزيا لم تعرف الفتح العسكري الإسلامي، ومع ذلك أصبحت اليوم من أكبر المجتمعات الإسلامية في العالم. دخل الإسلام إليها عبر التجار والدعاة، لا عبر الجيوش، فكان الصدق في المعاملة، والوفاء بالعهد، واحترام الإنسان، مفاتيح الدخول إلى القلوب قبل الجغرافيا.
ولم يكن هذا النموذج حكرًا على آسيا، بل تكرر في شرق أفريقيا على سواحل المحيط الهندي، من زنجبار إلى كينيا وتنزانيا، حيث انتقل الإسلام عبر التجار القادمين من عُمان واليمن، فأسّسوا مدنًا ومجتمعات إسلامية دون حرب أو إكراه. كما عرف غرب أفريقيا الإسلام عبر القوافل التجارية والعلماء، ودخلت به ممالك كبرى طوعًا، مثل مملكة مالي، حين وجد حكّامها في الإسلام عدالة وتنظيمًا أخلاقيًا واجتماعيًا مختلفًا، فدخلت الشعوب اقتناعًا لا قسرًا. وحتى أجزاء من الصين عرفت الإسلام مبكرًا عبر التجار والسفراء المسلمين، وبُنيت المساجد، وتشكّلت مجتمعات إسلامية عاشت قرونًا في إطار سلمي، دون أن تعرف البلاد فتحًا عسكريًا.
هذه الوقائع التاريخية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تقوم الحضارات على القوة أم على القيم؟
في المقابل، ترفع الحضارة الغربية المعاصرة شعارات الحرية وحقوق الإنسان، لكنها في ممارسات كثيرة تعاني أزمة أخلاقية بنيوية. ففصل القيم عن التشريع، وتحويل الرغبات الفردية إلى حقوق مطلقة، قاد إلى تطبيع أنماط من السلوك تُقاس بمنطق السوق والنفوذ، لا بمنطق الخير العام. وتكشف قضايا صادمة، كقضية جزيرة إبستين، عن هذا الخلل بوضوح؛ حيث تداخل المال بالسلطة، وسقطت الحصانة الأخلاقية للنخب، في نموذج لا يمكن فصله عن منظومة فصلت الأخلاق عن القانون، ثم تساءلت عن أسباب الانهيار.
في الأردن، اتخذت الدولة منذ تأسيسها مسارًا مختلفًا. فالنظام الهاشمي تعامل مع القيم الإسلامية بوصفها مرجعية أخلاقية حاكمة للسياسات العامة، لا مجرد شعارات. ومن واقع تجربة عملية خلال خدمتي في جهاز الأمن العام – إدارة البحث الجنائي، كان التعامل مع أوكار الرذيلة واجبًا وقائيًا لحماية المجتمع، لا تضييقًا على الحريات. فكنا نداهم أي مكان تتوافر عنه معلومات موثوقة بممارسة الفساد الأخلاقي، إدراكًا بأن التساهل في هذا الباب لا يُنتج حرية، بل فوضى، ولا يحمي المجتمع، بل يعرّضه للتفكك.
وهنا تتضح المقارنة بجلاء: نحن نرى في الأخلاق أساس العمران والاستقرار، وهم يقدّمون المنفعة ولو على حساب الإنسان.
وشتّان بين حضارة فتحت القلوب قبل الأرض، وحضارة فتحت العالم… ثم أضاعت بوصلتها الأخلاقية.

عن Alaa

شاهد أيضاً

مقعد الشباب هو جوهر الإصلاح

الدكتور احمد الطهاروة – الأول نيوز – يثور بين الحين والآخر جدل قانوني حول كيفية …