الدكتور احمد الطهاروة – الأول نيوز –
يثور بين الحين والآخر جدل قانوني حول كيفية ملء المقعد النيابي الشاغر إذا كان هذا المقعد مخصصًا لفئة الشباب. ويزداد هذا الجدل حدة عندما يكون سبب الشغور هو استقالة النائب أو فصله من الحزب بقرار اكتسب الدرجة القطعية. غير أن القراءة المتأنية لنص المادة (58) من قانون الانتخاب تقودنا إلى نتيجة واضحة لا تحتمل اللبس: مقعد الشباب يبقى للشباب.
المشرّع الأردني عندما خصّص مقاعد للمرأة والشباب لم يفعل ذلك على سبيل التجميل السياسي أو الاستعراض العددي، بل انطلاقًا من فلسفة تشريعية تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة وضمان تمثيل فئات بعينها داخل السلطة التشريعية. وعليه، فإن تخصيص المقعد ليس مجرد وصف، بل هو قيد قانوني ملزم يلازم المقعد أينما انتقل.
المادة (58) من قانون الانتخاب جاءت دقيقة في تنظيم حالات الشغور. فهي من جهة تعالج الشغور بوجه عام، ومن جهة أخرى تفرد حكمًا خاصًا للمقاعد المخصصة للمرأة أو الشباب. وقد نصّت صراحة على أنه إذا كان المقعد الشاغر من المقاعد المخصصة للشباب، فيُشغَل من المترشح الذي يلي الفائز من الشباب في القائمة الحزبية ذاتها إن وجد. هذا النص واضح في دلالته، ولا يترك مجالًا للاجتهاد حين يكون الحكم صريحًا.
البعض يحاول الاستناد إلى الفقرة المتعلقة بحالة الاستقالة أو الفصل، باعتبارها تنص على ملء المقعد من المترشح الذي يليه من القائمة ذاتها. غير أن هذا الاستناد يتجاهل قاعدة تفسيرية مستقرة في الفقه والقضاء مفادها أن النص الخاص يقيّد النص العام. فالفقرة التي تعالج المقاعد المخصصة للشباب هي نص خاص بطبيعة المقعد، بينما الفقرة التي تعالج سبب الشغور تتناول الظرف الذي أدى إليه. والطبيعة القانونية للمقعد تظل قائمة بصرف النظر عن سبب شغوره.
وقد أُثير دفعٌ مفاده أن المرشح الشاب التالي في القائمة قد فُصل من الحزب، وبالتالي لا يملك حق المطالبة بالمقعد. وهذا الدفع، إن صحّ، لا يُحسم بتصريح حزبي أو بإعلان داخلي، بل يخضع لرقابة القضاء الإداري. فالفصل الحزبي لا ينتج أثرًا قانونيًا خارج الإطار الداخلي للحزب إلا إذا اكتسب الدرجة القطعية بحكم قضائي نهائي. بل إن القضاء، عند نظر مثل هذا الدفع، لن يغفل مسألة تعارض المصالح، خاصة إذا كان قرار الفصل صادرًا عن جهة قد يكون لها مصلحة مباشرة في استبعاد المرشح الشاب، ولا سيما إذا كان صاحب ترتيب متقدم أو أعلى الأصوات ضمن القائمة الحزبية العامة. وفي مثل هذه الحالات، يكون ميزان العدالة القضائية أكثر ميلًا للتحقق من سلامة الإجراءات وضمانات الدفاع، وعدم تمكين أي طرف من توظيف القرارات التنظيمية لتحقيق مكاسب سياسية.
لو قبلنا بتفسير ينقل مقعد الشباب إلى مرشح من القائمة العامة رغم وجود مرشح شاب تالٍ مستوفٍ للشروط، فإننا نكون قد أفرغنا التخصيص من مضمونه، وحوّلنا مقاعد الشباب إلى مجرد ترتيب مؤقت ينتهي بزوال شاغلها الأول. وهذا لا يستقيم مع فلسفة التشريع، ولا مع الإرادة الانتخابية التي انعقدت على أساس وجود تمثيل شبابي داخل القائمة.
إن الناخب عندما أدلى بصوته للقائمة الحزبية كان على علم بأن من بين مقاعدها مقعدًا مخصصًا للشباب. أي أن التمثيل الفئوي كان جزءًا من البنية التي صوّت لها. وأي إعادة توزيع لاحقة تخالف هذه البنية تمثل مساسًا غير مباشر بالإرادة الشعبية ذاتها.
القضية هنا ليست مسألة ترتيب داخل قائمة، ولا تنافسًا بين مرشحين، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزامنا بروح الإصلاح السياسي. فإما أن نحترم النصوص كما وردت ونصون فلسفتها، وإما أن نفتح الباب لتأويلات تُضعف الثقة بالتشريع ذاته.
إن تطبيق الحكم الخاص بالمقاعد المخصصة للشباب هو التطبيق الأصح والأكثر اتساقًا مع نص المادة (58) وروحها. ومتى كان النص واضحًا، فلا اجتهاد في مورد الوضوح.
مقعد الشباب ليس تفصيلًا إجرائيًا يمكن تجاوزه، بل هو ترجمة عملية لإرادة تمكين جيل كامل داخل المؤسسة التشريعية. واحترام هذا التخصيص هو احترام لسيادة القانون ولمصداقية مسار التحديث السياسي في الأردن.