جولة الظلم الأخيرة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
لا يذهب نتنياهو إلى واشنطن حاملًا مشروع سلام، بل مشروع حرب.
ففي كل مرة تضيق فيها خياراته الداخلية، يبحث عن معركة خارجية تعيد ترتيب المشهد على مقاسه، وتمنح حكومته المتطرفة فرصة جديدة للبقاء.
الزيارة الحالية ليست استثناءً من هذا المسار.
الرجل ذهب ليقنع الإدارة الأمريكية بأن الطريق إلى “أمن إسرائيل” يمرّ مجددًا عبر إشعال المنطقة، كما فعل مع إدارات أمريكية سابقة حين تم الدفع نحو حروبٍ دمّرت دولًا عربية واحدة تلو الأخرى.
العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، لبنان، وغزة…
خريطة كاملة من الدول التي أُنهكت أو فُكّكت أو أُغرقت في الفوضى، باسم شعارات براقة عن الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، بينما الحقيقة أن المستفيد الأكبر كان دائمًا المشروع الإسرائيلي القائم على إبقاء المحيط العربي ضعيفًا وممزقًا.
اليوم تُعاد القصة نفسها مع عنوان جديد: إيران.
وغدًا قد تكون باكستان أو تركيا أو أي دولة ترفض الخضوع لمنطق الإملاءات.
المعادلة التي يسعى نتنياهو لفرضها واضحة: أن تتحول الولايات المتحدة إلى ذراع عسكرية مفتوحة تخوض الحروب حيثما ترى إسرائيل خطرًا على مصالحها.
لكن هذا المنطق يحمل في داخله بذور فشله.
فالعالم تغيّر،
وموازين القوة لم تعد كما كانت،
والقدرة على خوض حروب مفتوحة بلا سقف لم تعد متاحة حتى لأقوى الدول.
الأهم من ذلك أن التاريخ يثبت حقيقة ثابتة:
لا توجد قوة في العالم استطاعت أن تبني أمنها الدائم على أنقاض الآخرين.
الدول التي تتوسع بالعدوان تنكسر من الداخل،
والسياسات التي تقوم على الظلم قد تنتصر مؤقتًا، لكنها تخسر مستقبلها حتمًا.
قد تُشعَل حروب جديدة،
وقد تُدمَّر مدن أخرى،
وقد يدفع الأبرياء أثمانًا باهظة مرة أخرى،
لكن ذلك كله لن يغيّر النهاية.
فدولة تعيش على منطق القوة وحدها لا تملك ضمانة للبقاء،
ومشروع يقوم على إنكار حقوق الشعوب لا يستطيع إنتاج استقرار حقيقي.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط احتمال اندلاع مواجهة جديدة،
بل الإصرار على تكرار الأخطاء ذاتها، وكأن العالم لم يتعلم شيئًا من كوارث العقدين الماضيين.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل.
فقد باتت حدود الهيمنة أوضح،
وبات الرأي العام العالمي أكثر وعيًا،
وبات من الصعب تسويق الحروب كما كان يحدث سابقًا.
قد ينجح نتنياهو في إشعال جولة أخرى،
لكنها لن تكون إلا حلقة إضافية في مسارٍ يقترب من نهايته.
فالظلم قد يعلو طويلًا،
لكنه لا ينتصر في النهاية.
وتلك هي الحقيقة التي يؤكدها التاريخ دائمًا:
أن جولات القوة كثيرة،
أما جولة العدالة فواحدة…
وهي جولة لا تتأخر إلى الأبد.

عن Alaa

شاهد أيضاً

الملك في تركيا: دبلوماسية الدولة ورمزية التكريم

الأول نيوز – الدكتور احمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز – حين تتحرك القيادة الهاشمية …