الأول نيوز – د. حسين سالم السرحان
أنا مُصاب بالقلق الشديد مما يجري في بلدنا حول هوية الوطن وتاريخه القديم والوسيط وحتى المعاصر.
فليست المشكلة في أن يتحدث السياسي عن التاريخ، فالتاريخ جزء من المجال العام، ومن الطبيعي أن يكون مادة في الخطاب.
المشكلة تبدأ حين يتصدى السياسيون المستمرون بالطموح والذكاء الوقاد للتاريخ بوصفه حكرًا عليهم وملكًا لهم، لا خاضعًا لمنهجيته؛ مستثمرين فيه، لا باحثين عنه.
فالتاريخ علمٌ صارم، له أدواته ومصادره ومنهجيته النقدية، يقوم على الوثيقة، والتحقق، والسياق، والتراكم المعرفي.
أما السياسة، فهي بطبيعتها براغماتية، آنية، تحكمها المصلحة واللحظة، وتغري صاحبها بأن ينتقي من الماضي ما يخدم خطابه، ويغفل ما سواه. وحين يختلط المجالان دون وعي بالحدود الفاصلة بينهما، يتحول التاريخ إلى منصة خطاب “وهوبرة”، لا إلى حقل معرفة واستقصاء وتمحيص.
السياسي الكاهن، بطبيعته، كائن بارع بالاتصال، ويستثمر الصورة المتراكمة عنه في ذهنية العامة، ويستمتع بالجمهور والعوام الذين يصفقون، ويأنس بالمغرومين بفصاحته.
أما المؤرخ، فقلّما يجد تصفيقًا؛ لأن مهمته ليست الإمتاع، بل الإيضاح، وليست الحشد، بل التفكيك. السياسي يبحث عن العبارة المؤثرة، أما المؤرخ الرصين فيبحث عن الحقيقة الراسخة، حتى وإن كانت أقل بريقًا وأشد تعقيدًا.
أتذكر هنا ما سُمّي عربياً بـ«المثقف المقاول»، وهو المفهوم الذي ساهم في تداوله المفكر التونسي أستاذي الطاهر لبيب، ذلك الذي يضع معرفته في خدمة الطلب السياسي، فينتج خطابًا حسب المقاس، ويؤثث السردية وفق الحاجة، لا وفق الحقيقة. في هذه الحالة، لا يعود المثقف شاهداً نقديًا، بل يصبح جزءًا من ماكينة الخطابة.
من الأهمية بمكان التمييز بين صرامة منهجية التاريخ وبين التصريحات السياسية العابرة. لا يمكن، مثلاً، الاعتداد ببدايات الأنظمة الحاكمة كنقطة بداية للأوطان أو الدول أو الحواضر. فالأوطان أعمق من الأنظمة، والدول أقدم من الحكومات، والحواضر تتشكل عبر قرون من الاجتماع البشري، لا عبر بيان تأسيسي أو خطاب احتفالي.
الأردن اليوم يعاني — كما غيره من البلدان — من تكالب على تاريخه الاجتماعي، بل وحتى السياسي. ثمة نزعات شعوبية، وأفكار مرتجلة تولد من رحم اللحظة، وتسعى إلى إعادة تعريف الماضي بما يخدم سجالًا آنياً.
الآن يُعاد ترتيب الذاكرة العامة وفق مزاج سياسي، وتُختزل تعقيدات المجتمع في شعارات، ويُختطف التاريخ ليُزجّ به في أتون ووقائع لا تشبهه.
لن أذهب إلى الأسماء، فالقضية ليست أشخاصًا بل أفكارًا، وما يُطرح في سياقات مختلفة، من موظفين في مواقع متعددة على المنابر أو شاشات التلفزيون، لا يُعتد به إذا افتقر إلى المنهج والمعرفة.
الخطاب الذي لا يستند إلى بحثٍ رصين، ولا يميز بين الرأي والواقعة، ليس سوى ضجيج؛ هراء لفظي، قد يحقق مكسبًا عابرًا، لكنه يترك أثرًا سلبيًا في الوعي العام.
السردية الوطنية ليست نصًا إنشائيًا، ولا مادة للاستهلاك الخطابي؛ هي نتاج تفاعل طويل بين المجتمع والدولة، بين الريف والمدينة، بين البادية والحاضرة، بين الاقتصاد والثقافة والسياسة، وما تمخضت عنهما الأحداث المتراكمة. اختزالها في رؤية أحادية، أو إخضاعها لمزاج سياسي انتهازي عابر، هو إساءة مزدوجة: للتاريخ، وللإنجازات.
لقد ملّ الناس من الخطابات المتعالية، ومن التفسيرات السطحية التي تدّعي الإحاطة بكل شيء. بل إن كثيرين أصابهم شيء من الاشمئزاز من التكرار، ومن إعادة إنتاج العبارات نفسها بوجوه مختلفة. فليس كل من امتلك منبراً امتلك معرفة، وليس كل من أحسن الخطابة أحسن الفهم.
التاريخ ليس مادة تعبئة، ولا أداة تبرير، ولا منصة تسجيل مواقف. إنه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون رواية لخدمة مصلحة أو لتحقيق غايات، وكل عبث به تحت أي ذريعة، هو عبث بوعي الأجيال القادمة.
فارحموا هذا الشعب من فائض الخطابة،
واتركوا للتاريخ أهله،
وللسياسة حدودها،
وللسردية الوطنية عمقها الذي لا يُختزل في تصفيق عابر،
ولا يُصاغ على مقاس لحظة.
والله المستعان.