الأول نيوز – مع حلول شهر رمضان في قطاع غزة، لا يقتصر القلق اليومي للأسر على تأمين الغذاء فحسب، بل يمتد إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف سنُعدّ طعام الإفطار في ظل شحّ غاز الطهي؟ أزمة تتكرّر كل عام، لكنها هذا الموسم تبدو أكثر حدّة، في ظل تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار وتفاقم الظروف الإنسانية.
طوابير وانتظار
منذ ساعات الصباح، يصطفّ المواطنون أمام نقاط التوزيع، يحملون أسطواناتهم الفارغة، على أمل أن تشملهم الكمية المحدودة المتاحة، وجوه متعبة، وأعين تترقب وصول الشاحنات، وأحاديث جانبية لا تخلو من القلق: “هل تكفي الكمية اليوم؟” “متى سيكون الدور القادم؟”
يمتدّ الطابور عشرات الأمتار أحيانًا، ويتناوب الواقفون على الجلوس فوق أسطواناتهم بانتظار إعلان الأسماء أو الأرقام، بعضهم جاء من أحياء بعيدة، قطع مسافات طويلة مشيًا أو بدفع عربة يدوية، فقط ليحجز مكانًا في قائمة قد لا تكتمل.
يقول أبو أحمد (45 عامًا)، وهو أب لخمسة أطفال:
“ننتظر منذ أسبوعين، أخبرونا أن التوزيع سيكون وفق كشوفات محددة، لكن الكميات قليلة جدًا، رمضان يحتاج إلى طبخ يومي، وليس لدينا بديل حقيقي.”
ووفق أصحاب مستودعات، فإن الكميات التي تصل لا تغطي سوى نسبة محدودة من الاحتياج الفعلي، ما يدفع بعض الأسر إلى الاحتفاظ بالأسطوانة المتبقية لأيام الطوارئ فقط.
بدائل مُرهقة ومكلفة
في حيّ الشجاعية، تجلس أم محمد أمام موقد بدائي يعمل بالحطب، تحاول إعداد وجبة بسيطة قبل أذان المغرب، تقول: “الطبخ على الحطب متعب ويأخذ وقتًا طويلًا، والدخان يؤذي الأطفال. لكن ماذا نفعل؟ الغاز إن وجد، سعره مرتفع جدًا.”
ويؤكد باعة محليون أن الأسعار شهدت ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة قلة المعروض وزيادة الطلب مع دخول الشهر رمضان، حيث يتضاعف استهلاك الغاز بسبب إعداد وجبتي الإفطار والسحور، إضافة إلى تحضير الخبز والحلويات الرمضانية.
أعباء تتراكم
لا تأتي أزمة الغاز بمعزل عن أزمات أخرى يعانيها السكان، من انقطاع الكهرباء إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويقول الخبير الاقتصادي المحلي محمود النجار:
“رمضان بطبيعته شهر استهلاكي، لكن في غزة يتحول إلى اختبار يومي لقدرة الأسر على التكيّف، شحّ الغاز يضيف عبئًا نفسيًا وماديًا، خاصة للأسر النازحة أو ذات الدخل المحدود.”
ويشير إلى أن غياب انتظام الإمدادات يخلق حالة من القلق المستمر، تدفع بعض العائلات إلى تقليص الوجبات أو الاعتماد على أطعمة لا تحتاج إلى طهي طويل.
تغيّر ملامح رمضان في الأعوام الماضية، كانت موائد الإفطار الجماعية والروائح المنبعثة من المطابخ جزءًا من المشهد الرمضاني المعتاد في غزة.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة؛ طقوس الشهر رمضان لم تعد كما كانت، بل تُختزل في محاولات يومية لتدبير الأساسيات، تقول الطالبة الجامعية آية (22 عامًا)،وهي ترتب بعض الأواني في مطبخ منزلها: “رمضان كان يعني لمّة العائلة وأطباقًا متنوعة، كانت أمي تحرص على إعداد ما نحب، وكانت رائحة الطعام تملأ البيت قبل الأذان بوقت طويل. الآن نفكر فقط كيف نوفر الغاز ليكفينا حتى نهاية الشهر، نحسب عدد مرات الطبخ، ونختار الأطعمة التي لا تحتاج وقتًا طويلًا على النار.”
وتضيف أن التغيير لم يقتصر على نوعية الطعام، بل طال تفاصيل الحياة اليومية: “صرنا نؤجل بعض الأطباق لأيام معينة، ونتجنب استخدام الفرن إلا للضرورة، حتى الشاي بعد الإفطار أصبح نحسب له حسابًا الأمر مرهق نفسيًا قبل أن يكون ماديًا.”
وتشير آية إلى أن جلسات السحور التي كانت تمتد لساعات، باتت أقصر وأبسط، بسبب الحاجة إلى تقليل استهلاك الغاز، “لم تعد المسألة رفاهية أو تنويعًا في المائدة، بل إدارة دقيقة لما تبقى لدينا.”
في ظل هذا الواقع، يتراجع البعد الاحتفالي للشهر أمام ضرورات البقاء اليومية، فبدل أن يكون رمضان موسمًا للطمأنينة والكرم، يتحول لدى كثير من الأسر إلى معادلة صعبة بين الاحتياجات والإمكانات المحدودة، حيث يصبح إشعال الموقد حدثًا يُحسب له حساب، وتغدو أبسط الطقوس مرتبطة بتوفّر مصدر طاقة يكفي حتى نهاية الشهر.
دعوات لإيجاد حلول
في ظل استمرار الأزمة، يطالب مواطنون بآلية توزيع أكثر انتظامًا وعدالة، وضمان إدخال كميات كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة خلال الشهر الكريم.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب تنسيقًا أكبر لضمان استقرار الإمدادات ومنع الاستغلال وارتفاع الأسعار.
في غزة، لا يُقاس رمضان هذا العام بعدد الأطباق على المائدة، بل بقدرة الأسرة على إشعال موقدها، وبين انتظار الأسطوانة والبحث عن بدائل، يبقى الأمل حاضرًا بأن يحمل الشهر الكريم انفراجة تخفف وطأة المعاناة اليومية. (بوابة الهدف)